
















اهلا-بقلم الكاتب امين خير الدين كلمة وفاء في وداع شاعر الفقراء نايف صالح سليم
بسم الله الرحمن الرحيم
"ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا االله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم مَنْ ينتظر، وما بدّلوا تبديلا" صدق الله العظيم
أيّتها الروح المطمئنّة، السابحة في فضاء الوطن، المُطلّة على روابيه وأراضيه المصادرة، وعلى قراه المحاصرة، وأنت ترجعين إلى ربِّك راضية مرضية لتدخلي في عباده وفي جنته، لا تنسي ان صاحبك مُقيم في ربوع الوطن، له في كل ناحية منه وقفة ألم، وذكرى وجع، وكلمات موجِعة.
يا شاعر الفقراء، أيّها الشاعر المُكافح، الشاعر الشعبي، العِصامي الذي تحدّى أعداء الإنسانية - بكل أشكالها- بدءا من الفقر والجهل والمرض والتعصّب بكل أشكاله الطائفي والاحتلال والحصار وغطرسة كلٍّ منها.
أتذكر أيها الراحل، حين كانت ذاكرتنا بعزّ شبابها وعنفوانها، تتحدى موجات الأثيرلتلتقط ما عليها من موجات صوتية، يوم بعثتً لي في أوائل الستينات، حينها كنتُ أنا في أواخر المرحلة الثانوية، وكنتَ أنتَ في حرس الحدود تقاسي الواقع المرّ الذي قادك إلى هناك، أتذكر القصيدة التي بعثتها لي لأُصحّحها لك، ولأنّي لا أتقن فنّ نظم القوافي، خيّبتُ أملك، وبدلا من أن تستفيد منّي، استفدتُ أنا منك، تعلّمتُ منك كيف تحطّم الجهل بالإرادة القوية، والإصرار، وحب الكلمة المكتوبة والّسعي لاكتساب ثقافة عامّة إلى جانب الشهادة الثانويّة.
لا يَخْفى على أحد، كما أن راحلنا لم يُخفِه عن أحد، أنه لم يُكْمل تعليمه الابتدائي، ولكن مع عصاميّة كعصامية عباس محمود العقاد، عصاميّة نادرة، وإصرار فريد، استطاع ابوالوليد أن يقود مسيرة ثقافية ليست له
فقط، وإنّما لمجموعة من أصدقائه الشباب، مسيرة ثقافيّة يفتقر لها كثيرون من مُتَعَلِّمي هذا الزمن المُزوّر، حتى لو حملوا على ظهورهم أعلى الشهادات.
طرق .... مُعظم أبواب الكتابة، فكتب المقالة، ونظم الشعر العمودي، والشعر النثري، والخاطرة والطرائف وجمع وأبدع في جميعها.
أصيب بنعمة الإحساس الوطني، فأبلى سنين عمره من أجل تنميته ومن أجل الحفاظ على هذا الحسّ النبيل. لم تُخِفْه التهديدات ولا المحاصرة الاقتصادية ولا غطرسة المخابرات ولا َحْبَرَمة عملائها ولا تحقيقات الشرطة وإرهابها. تغنّى بقريته قائلا: آه يا أحلى قرانا ذلك الحسن تناهى
قريتي كم في رُباها رقص النور وتاها
تغزّل بعيونها ونسيمها ومراعيها وحواكيرها وبصخورها الساجدات على روابيها.
كان متواضعا مستقيما يكره النفاق والمحسوبية جريئا لم يقبل وساطة أحد، ولم يحب أو يمدح وسيطا فقال عن :
أنا ما مدحت مدى حياتي زعيما ولا مُزَعَّمْ
لا عظيما ولا مُعَظَمْ
وكم احتقرت المادحين الزاحفين على الرُكب
......نحو الرتب
بنعمة الحس الوطني عاش مأساة شعبه الفلسطيني وانتفاضتيه وكتب عنهما وعن شهدائهما يصوّر بأبسط الكلمات وأقلّها ساديّة الاحتلال وبشاعة أعماله فقال:
دفنوهم أحياء بالجملة /وقهقهوا: ماتوا
بهذه العبارة القصيرة اوجز كلّ جرائم الاحتلال وكل سياسة الاحتلال
دافع بلسانه وبجسمه عن مصادرة الأرض في كلّ قرانا العربيّة، داخل الخطّ الأخضر من الجليل إلى النقب، وخلف الخطّ الأخضر في الأرض المحتلّة.
تصدّى لمظالم الحكم العسكري البائد إلى غير رجعة، ولم يسلم من وحشيته، لم يقبل الظلم فقاومه بكل ما أوتي من وسائل وأهم هذه الوسائل الكلمة، إيمانا منه بأنه في البدئ كانت الكلمة حين قال الله "كوني فكانت" فللكلمة قوة البقاء والعيش مع تقلبات التاريخ. وبالكلمة نخلّد ذكراك يا شاعر الفقراء .