
















اهلا الكبسولة السابعة والستّون لا المؤلّف يموت ولا القارئ يصادر النصّ.. فقام عليّ، وهو طالب ميعاريّ قُحّ معروف بقدرته الفطريّة على التندّر والمزاح، وسألني: "هل يصلح هذا النظام في النصوص الشعبيّة أيضًا يا أستاذ؟" فقلت له: نعم. فاقترح أن يروي لنا حكاية حرّاث ميعار ليمتحن نفسه ويتيقّن من فهمه للنظام السيميائيّ.. وهكذا كان. وكان هذا الحرّاث يعود إلى أهله في ميعار كلّ شهر مرّة واحدة ليغتسل، وتغسل ابنة عمّه ملابسه، ويقضي حاجته منها في ليلة أو ليلتين، بقدر ما تُبقي له الحراثة من حيل، ويتزوّد ببعض الزاد ثمّ يتوكّل على الله عائدًا إلى كفر ياسيف.. عاد هذا الحرّاث مرّة إلى أهله في ميعار وقد التوى لسانُه وارتخى صوتُه قليلًا وتحوّلت الذال عنده إلى زاي والظاء إلى ضاد والثاء صارت تاءً مثلما يلفظها الكفرساويّون. وحين كانت الأمور تلتبس عليه وتختلط اللهجات في رأسه كان هذا الحرّاث يحوّل إحدى الثاءين تاءً ويُبقي على الأخرى كما هي إذا اجتمعتا في لفظة واحدة مثل لفظة "التلاثاء". وكانت زوجته تسمع هذه اللغة الجديدة من زوجها فتضرب كفًّا على كفّ وتقول الرجل جنّ. وحين قادته الصدفة إلى مجلس من مجالس الميعاريّين الأقحاح، الغيورين على لهجتهم الجبليّة المفخّمة المجلجلة، وأخذ هذا الحرّاث يتحدّث في حضرتهم بلغته الجديدة صرخوا في وجهه بحنجرة ميعاريّة واحدة: قزّ غريب! فقزّ الحرّاث وغادر المجلس وذيله بين رجليه!
حرّاث ميعار:
من المعنى إلى الدلالة
كنت قبل سنوات، في أحد مساقات الماجستير، أبيّن الفروقات الدقيقة بين المعنى والدلالة في نظام سيميائيّ منهجيّ مفصّل. وقلت: المعنى عند المؤلّف يضعه في النصّ والدلالة عند القارئ يبنيها على المعنى. وهكذا ننصف المؤلّف والقارئ معًا.
قال عليّ: سمعت من جدّي عن حرّاث من بلدنا اضطرّه شظف العيش، زمن الانتداب الإنجليزيّ، إلى الحراثة في حقول كفر ياسيف وكرومها لقاء ما يسدّ رمق عياله، والعيال تكسر الظهر. وكان هذا الحرّاث يبيت في موسم الحراثة في "برّاكيّة" بين كروم الزيتون. وكان "يُركّب" من صلاة الفجر ويظلّ قابضًا على كابوسة الفدّان حتى تغيب الشمس.
كان عليّ يحكي ويضحك. وحين انتهى سألتُه: وماذا تقول في معنى هذه القصّة يا عليّ؟ فقال: المعنى هو أنّ أهل ميعار يُحسنون التأقلم مع كلّ ظرف في سعيهم إلى رزقهم. فسألتُه: وما هي الدلالة المحتملة التي قد تبنيها على هذا المعنى؟ فقال بفطنته المعهودة: إنّ "عرب إسرائيل" يُضحّون بكلّ شيء حتّى بلغتهم الأصليّة وهم يحرثون أرض الوطن! فقام طالب حَمِش من سخنين وقال بجدّيّة: "إنتِ واحد مخيوِز يا علي ومش فاهم النظام اللي شرحه الأستاذ!" فضحك عليّ حتّى قلب على ظهره!