
















اهلا-دارين طاطور عندما لمست يدّه يدي، لم أشعر بالرّاحة الكاملة، ولا بالحزن التّام. كانت لمسته خفيفة جدًا، لدرجة جعلتني أرتبك، كأنّ العالم بأسره أراد في تلك اللحظة أن يذّكرني بالأشياء التي كانت من الممكن ألّا تحدث.
بين أصابعه الصغيرة، شعرت بثِقَلٍ لا يعود إليه وحده. كان هذا الثُقل هو ما أحمله أنا، الّتي تعرف أكثر مما تستطيع احتماله، وتحمل في داخلها ذكريات الخسارات، أخبئها داخلي فقط لأستمر.
هو كان سعيدًا، بريئا، كما هو، وأنا كنت هناك بكل عقّدي وأحزاني، وبيننا ذلك التّباين الصّامت الّذي لا يحتاج للشرح.
لم أتمنَّ له شيئًا بشكلٍ واضحٍ، لم يخطر في بالي أبدًا أن أقول له "أتمنى لك حياة سعيدة"، بل تمنيت ألّا يضطّر لفهم الأمور قبل أوانها، ألّا يرغم نفسه على كتم دهشته، ولا أن يكتم صوته فقط من أجل أن ينجو.
يدّه لم تكن تطلب الحماية منّي، كانت تذكّرني فقط بأنّ الطّفولة ليست مجرّد مرحلة في العمر، تُنسى حين نكبر، بل هي فرصة أخلاقيّة نفشل في غالب الأحيان عن حمايتها.
عندما ترك يدي وابتعدت أصابعه الدافئة عن أصابعي الباردة، بقي أثرها يحاكي ما في داخلي، ذاكرة عادت بي خطوة إلى الوراء، ليس لتحييني من جديد، بل لتذكّرْني بمدى مسؤوليتنا عن كل يد صغيرة في هذه الدنيا، وهي ما زالت تؤمن بأنّها تستحّق الحياة على هذه الأرض.
مع ذلك الأثر، تسلل سؤال هادئ لا يبحث عن إجابة: هل ما زلت قادرة على أن أَعِدَ بشيء، وأنا أدرك كم أنّ هذا العالم الذي أحيا به قد خانني وخان كل الوعود؟
مع لمساته كنت أراه يمشي بخفة، كأنّ الزمن لم يمسّه بعد، بينما أشعر بثِقَلِ السّنين يتدّلى من كتفي بهدوء، دون أن يصدر أيّ صوت.
لم أشعر بفارق في العمر، بل في الفهم، والإدراك، الإدراك لهذا العالم والبشر الّذين يحيطون بنا، ومع ذلك لم أزرع الخوف في قلبه، ولا حتى الأمل. تركته فقط يرحل، كرحيل الضوء حين لا نفلح بتقييده.
هكذا فهمت أن أجمل ما يمكن أن أفعله، ربّما، ليس أن نعلّم الأطفال كيف ينجون، بل أن نحاول بإصرار ألا نُسلب منهم حقهم في أن يؤمنوا ويصدّقوا أحلامهم، أن نحاول ألّا نسرق منهم حقّهم في الحياة، وفقط.
حين كنت طفلة، سُلِبت مني أحلامي أمام الجميع لكن بهدوء غير مرئي، كإطفاء نور مصباح عن طريق المقبس حتى لا يستيقظ أحد. لم أشعر بالسرقة وقتها، فقط لاحظت أنّ السماء أصبحت ضيّقة، أنّ الرغبات صار لها حدود قبل أن تُنطق.
كبرت وأنا أتعامل مع الأحلام كأنّها شيئًا مشروطًا، كأنّها رفاهية تحتاج إذنًا، فكرة جميلة لكنّها ليست ضرورية للبقاء.
تعلمت منذ وقت مبكر أن أبدّل التّمني بالحذر، وأن أقنع نفسي بأن النجاة ليست حلمًا، بل تنازلا صامتًا كي لا أنكسر، هي شكل من أشكال طرق الاستمرار فقط.
رغم كل شيء، الأحلام لم تختفِ بالكامل. فقط تراجعت نحو مكان صامت في داخلي، تتنفس بأنفاس خافتة. أحيانًا تظهر بشكل مشوش، لا أفهمه جيدًا. أو تظهر فجأة عبر يد طفل، يلمس يدي، ويعيد فتح جرح ظننتُه قد تعافى، جرح ما زال يؤلمني رغم مرور الوقت.
سُرقت الطفولة مني، لا أستطيع أن أتذكر لحظات لعب أو ضحكة طويلة أو حتّى أيامًا أشعرتني بالأمان الحقيقي، ولا زمنًا فيها كان آمنًا بما يكفي لأعطيه لقب ما يسمى بالطفولة.
كل ما بقي في ذهني هو ذلك الألم المبكر، الذي تسلل بهدوء، واستقر في مكان كان من المفترض أن يحتضن الفرح. الأمان لم ينكسر فجأة، بل تلاشى تدريجيًا، مثل ضوء شمعة خافت ينطفئ مع ذوبانها.
تعلمت منذ صغري أن أراقب الحياة من بعيد، بدل أن أغوص فيها تمامًا.
تعلّمت أن أعيش دائمًا على أهبّ الاستعداد لشيء ما قد يحصل. لم أكبر لأنني اخترت ذلك، بل لأن النجاة كان أسرع من مجرد الرغبة في النمو.
صار الحذر جزءًا من طبعي، وشعور الطمأنينة أصبح فكرة بعيدة، كأنه شيء لا يرتبط بالبشر، أو كأنّني لست من البشر ولدتُ في مكان لم أُسأل فيه إن كنت قادرة على التحمل.
ومع ذلك كبرت ولا يزال هناك فراغ داخلي، فراغ لا بطلب بالتعويض، بل بالاعتراف. أبسطه أن يُقال: كان يجب أن تكون الحياة أجمل، كان يجب على طفلة مثلي أن تمسك العالم بيدين ممتلأتين بالورد لا بالخوف، لا بذاكرة تعرف الألم أكثر مما تعرف اللعب.
الصورة من تصويري اليوم في السيارة ليد طفل أوصله للحضانة.