















اهلا الله ليس في حاجة إلى دولة حتى يستولي له المسلمون على دول الناس ويهبونها له
✍️ ـ د. سيد القمني كاتب وباحث مصري متخصص في فلسفة الأديان والتاريخ الاسلامي وعلم الاجتماع الديني
تحليل الفكرة :
▪️إن الله جلّ في علاه غني عن العالمين، فكيف يدّعي مدّعٍ أنه سبحانه في حاجة إلى دولة تقام باسمه، أو إلى رقعة من الأرض تُنتزع من أهلها وتُرفع عليها راية ثم يُقال: هذه لله؟ أي منطق هذا الذي يجعل الغني المطلق مفتقراً إلى جغرافيا وحدود وجنود؟
لو كان الله محتاجاً إلى دولة لخلقها مع خلق السماوات والأرض، ولما ترك عباده يتصارعون عليها باسم الدين. لكنه تعالى قال: $وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ$. فالغاية هي العبادة، لا الاستيلاء. والعبادة لا تحتاج إلى قصر حاكم ولا إلى جيش فاتح، تحتاج إلى قلب سليم.
إن الذين رفعوا شعار "فتح البلاد" ليعطوها لله، وقعوا في تناقض صارخ. هل الله ناقص حتى نكمله بدولة؟ هل ملكه محدود حتى نوسعه بحد السيف؟ حاشاه. ملكه يشمل ما بين الخافقين قبل أن تُخلق الدولة وبعد أن تزول. فحين تتحول الدعوة إلى مشروع غزو، وحين يصبح المنبر منصة لإعلان الحرب، نكون قد استبدلنا جوهر الدين بقشرة السياسة.
يقولون: نحن نرفع الظلم وننشر العدل. فأقول: العدل لا يُفرض بالسيف على رقاب الناس، لأن الإكراه أول أبواب الظلم. والله الذي حرّم الظلم على نفسه، لا يرضى أن يُنسب إليه ظلم بحجة إقامة دولته. ما قيمة أرض تُغتصب باسم الله وقلوب أهلها مليئة بالسخط على من غصبها؟ هل هذا هو النصر الذي يريده رب العالمين؟
إن الله لم يبعث الأنبياء ليكونوا ملوكاً على العروش، بل ليكونوا شهداء على الناس. موسى لم يطلب مُلك فرعون، بل طلب أن يخرج بني إسرائيل من القهر. وعيسى قال: "مملكتي ليست من هذا العالم". ومحمد صلى الله عليه وسلم لما خُيّر بين أن يكون نبياً ملكاً أو عبداً رسولاً، اختار أن يكون عبداً رسولاً. فمن أين جاءت فكرة أن الله كلفنا ببناء إمبراطورية له؟
الدولة شأن بشري. وسيلة ينظم بها الناس حياتهم، تصيب وتخطئ، تقوم وتسقط. أما الله فباقٍ. أن تخلط بين الباقي والزائل، بين المطلق والنسبي، فهذا هو أصل الضلال. تريدون أن تهبوا لله ما لا يملكه؟ كل الأرض له: $لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ$. فكفوا عن ادعاء الوصاية، وكفوا عن تقديم القرابين السياسية على مذبح لم يطلبه منكم.
إن أراد الله دولة، لأقامها بكلمة "كن". لكنه أراد منك أنت أن تكون عادلاً، صادقاً، رحيماً، سواء كنت حاكماً في كوخ أو محكوماً في قصر. فلا تختزلوا رسالة السماء في خريطة، ولا تجعلوا الله طرفاً في صراعاتكم على السلطة. هو الغني، وأنتم الفقراء إلى عدله، لا إلى دولته.