
















اهلا- لقاء صحفي فكري مع الفيلسوف والأديب اللبناني جبران خليل جبران حول العدوان الأخير على لبنان والانقسام الداخلي فيه تعرض لبنان وعلى مدار شهر تقريبا إلى قصف جوي وعمليات اجتياح اسرائيلية أوقعت مئات الضحايا والجرحى، ودمرت البيوت والجسور والحقول والبنى التحتية. ولم يكن هذه الاعتداء هو الأول من نوعه فقد سبقه الاجتياح الكبير في خريف العام 1982 حيث تم خلاله احتلال بيروت عاصمة لبنان أمام بصر وسمع العرب والعالم. واجتياح آخر في العام 2006 وغيرها من العمليات مثل مجزرة قانا.
زياد شليوط – شفاعمرو - الجليل
على ضوء ما تعرض له لبنان وطن الفيلسوف والأديب اللبناني جبران خليل جبران، وفي ذكرى مرور 95 عاما على رحيله (10 نيسان 1931) عدت إلى تراث جبران الأدبي والفكري الحي، هذا التراث الذي نشأ عليه أهل الأدب والفن ليس في لبنان فحسب بل في الوطن العربي وفي العالم الرحب أيضا. وعبر جولة سريعة في ذلك التراث الغني، استنبطت مجموعة من الأسئلة طرحتها على أديبنا وفيلسوفنا الكبير، فأجاب عنها بكل رحابة صدر وصراحة وعمق وبعد نظر.
*****
س: تعرض وطنك الجميل لبنان لاعتداء غاشم وغير مبرر كما ذكرنا في المقدمة، فهل لك أن تصف لنا شعورك تجاه وطنك الأثير في هذه الظروف العصيبة؟
جبران: أحب بلادي وللحب ألف عين ترى وألف أذن تعي. أحب بلادي عليلة، وأحب أبناء بلادي مصابين، ولولا علّة في جسم بلادي ومصاب في أرواح أبنائها، لما بقيت على العهد ولا صرفت الليالي بين ذكر وتشويق.
س: هناك حملة لا مثيل لها من أطراف لبنانية يحملون فيها حزب الله خاصة مسؤولية الدمار الذي يتعرض له لبنان، ما رأيك بتلك الاتهامات وكيف ترى أنت المقاومة؟
جبران: أحب ذاك الذي ترك سلطان أبيه وصولته، واستبدل الحرير بالأطمار، والرفعة بالذلة، وسار منفرداً إلى غاية الوحي والتشويق، وبينما المعتدلون يسخرون به ويستغربون أن أصابعه الدقيقة تجمع بين ما ظهر من الوجود وما خفي منه.
أحب الشهداء المشغوفين المستميتين المسترخصين كل شيء إلاّ الغاية القصوى، المستصغرين كل أمر إلاّ الغرض الأسمى.
أحب الذين أحرقوا ورجموا وشنقوا وقضوا بحد السيف من أجل فكرة امتلكت عقولهم أو عاطفة أشعلت قلوبهم.
أحب ذاك الذي صلبه المعتدلون ولما لوى عنقه وأغمض عينيه قال بعضهم لبعض " لقد تخلصنا من المتطرف المقلق"، ولم يدروا أن روحه كانت في تلك الساعة تسير متغلبة على الأمم وعلى الأجيال.
س: أولئك المعتدلون يتراقصون على أكثر من حبل وفي أكثر من ساحة ويعتبرون سلوكهم قمة الذكاء في حسن التخلص، ماذا تقول في ذلك الصنف من الناس خاصة ممن في موقع المسؤولية؟
جبران: قد خبرت المعتدلين، ووزنت مقاصدهم بالموازين وقست مآتيهم بالمقاييس، فوجدتهم جبناء يخافون الحق ملكا والباطل شيطانا، فيحتمون بأواسط العقائد والقواعد التي لا تنفع ولا تضر، ويتبعون السبل الهينة التي تقودهم إلى صحراء مقفرة خالية من الرشاد والضلال، بعيدة عن السعادة والشقاء.
ومن يعتدل في مناصبة الشر ومناصرة الخير لا يصرع شراً ولا ينجد خيراً، يكتفي بأن يصون ما سال من عواطفه بما جمد منها، فيصرف عمره على شواطيء الأميال وهو كالمحار حجري الظاهر مخاطي الطوية لا يدري أي متى ينتهي مد الحياة أو متى يبتديء جزرها.
س: هل لك أن توضح للجمهور من هم أولئك " المعتدلون" وما هي صفاتهم؟
جبران: هم الأشداء الفصحاء البلغاء ولكن بعضهم لدى بعض، والضعفاء الخرسان أمام الافرنج. هم الأحرار المصلحون المتحمسون ولكن في صحفهم وفوق منابرهم، والمنقادون الرجعيون أمام الغربيين. هم الذين يضجون كالضفادع قائلين: لقد تملصنا من عدونا الطاغية القديم، وعدوهم القديم الطاغية ما برح يختبيء في أجسادهم. هم أولئك العبيد الذين تبدل الأيام قيودهم المصدأة بقيود لامعة فيظنون أنهم أصبحوا أحراراً مطلقين.
س: لو أتيح لك المجال لمخاطبة تلك الفئة التي ترى لبنان بمنظارها وتريده وفق أهوائها، ما هو الخطاب الذي توجهه لهم في هذه الأيام؟
جبران: لكم لبنانكم ولي لبناني. لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض والمنازع، ولي لبناني بما فيه من الأحلام والأماني. لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي، لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها، لبنانكم طوائف وأحزاب، لبنانكم خطب ومحاضرات ونقاش، لبنانكم ينفصل آناً عن سوريا ويتصل بها آونة ثم يحتال على طرفيه ليكون بين معقود ومحلول، أما لبناني فلا يتصل ولا ينفصل ولا يتفوق ولا يتصاغر.
س: مقابل ذلك وقفت الدول العربية ونقصد الأنظمة الحاكمة، موقفا أقل ما يقال فيه أنه جبان تجاه العدوان الحاقد والغاشم على لبنان، ولم تظهر تلك الدول أدنى درجات التضامن فيما بينها. كيف تفسر هذا الموقف – اللاموقف، وما الذي يمنع تضامن الدول العربية مع بعضها البعض برأيك؟
جبران: في عقيدتي أنه ليس بالامكان تضامن الأقطار العربية في زمننا هذا، لأن الفكرة الغربية القائلة بميزة القوة على الحق، والتي تضع المطامع الاستعمارية والاقتصادية فوق كل شيء، لا ولن تسمح بذلك التضامن طالما كان لها الجيوش المدربة والبوارج الضخمة لهدم كل ما يقف في سبيل منازعها استعمارية كانت أم اقتصادية. وأنى للأقطار العربية التضامن وقلب كل قطر منها يخفق ولكن بصدر عاصمة من عواصم الغرب؟ وكيف تستطيع الألفة والتعاون، وكل منها يستمد ميوله السياسية والعمرانية والاقتصادية من زاوية بعيدة من زوايا الغرب؟
وليقل لي العقلاء والوجهاء وقادة الرأي العام هل يرغبون حقيقة في نهضة الأقطار العربية وفي تضامنها وفي استقلالها، وجل ما يفعلونه في هذا السبيل ابداء آرائهم، وأكثرها بليدة وعقيمة، أما أعمالهم الخاصة ومآتيهم الذاتية وكل ما تتناوله حياتهم اليومية، فتخالف مزاعمهم وتنكر عليهم دعواهم. فهم إن أكلوا فبصحون غربية، وان شربوا فبكؤوس غربية، وان لبسوا فالأثواب غربية، وان ناموا فعلى أسرة غربية، وان ماتوا كفنوا بقماش منسوج في معامل غربية.
س: كما تعرف فان الاسرائيليين اعتدوا على لبنان مرات عديدة، وفي كل مرة عادوا خائبين محبطين رغم الدمار الذي خلفوه، فماذا تقول لهم وهم مستمرون في اعتداءاتهم المتكررة؟
جبران: يا من يعادينا وما أن لنا ذنبٌ إليهِ غيرُ أحلامنا
***
لوموا وسبّوا والعنوا واسخروا وساوروا أيّامنا بالخصام
وابغوا وجوروا وارجموا واصلبوا فالرّوحُ فينا جوهرٌ لا يُضامْ
فنحن نحن كوكب لا يسير إلى الورا في النّورِ أو في الظلامْ
إن تحسبونا ثلمةً في الأثير لن تستطيعوا رتقها بالكلامْ
***
دولٌ ولّت وعيني لم تزلْ ترقبُ الصحراءَ والنّجمَ البعيدْ