
















اهلا-ناضل حسنين ماذا نربح اليوم، وماذا نخسر غدًا؟
في خضم السجال السياسي المحتدم داخل المجتمع العربي هذه الأيام عشية الانتخابات، يجد كثيرون أنفسهم عالقين بين خطابين. خطاب يعد بالخلاص عبر الميزانيات، وخطاب آخر يصر على أن المشكلة أعمق من الأرقام. وبينهما يقف جمهور واسع متردد بين الموقفين، لا عن لامبالاة، بل لأن الصورة المطروحة تبدو له مبتورة.
لا أحد ينكر أهمية الميزانيات. الناس تريد شوارع آمنة، مدارس أفضل، وسكنًا ممكنًا. لكن السؤال الذي يجب ألا نخجل من طرحه هو: هل الميزانية وحدها تغير موقعنا وواقعنا في هذه الدولة؟ لنأخذ الواقع كما هو، بلا تجميل.
قد يتم رصد ميزانيات، لكن قانون "كامينتس" ما زال قائمًا، قادرًا في أي لحظة على هدم بيت بناه عربي لأن الدولة امتنعت لعقود عن المصادقة على الخرائط الهيكلية لبلدته. أي أن العائلة التي تسمع عن "المليارات" قد تستيقظ ذات صباح على أمر هدم، لأن الحق في السكن لم يتحول بعد إلى حق أصلي، بل بقي استثناءً مشروطًا.
وقد يتم الإعلان عن خطط تطوير، لكن العربي ما زال يصنف في الخطاب الرسمي والثقافي السائد كضيف في دولة اليهود. ضيف يسمح له بالعيش، والعمل، والاستهلاك، لكن دون اعتراف كامل بالرواية أو بالمكانة. الميزانية هنا لا تغير هذا التعريف، بل قد تستخدم أحيانًا لتجميله.
وقد تضخ أموال في التعليم أو البنى التحتية، لكن الحقيقة القاسية تبقى: العربي لن يبلغ خاصرة المهاجر الجديد من حيث الحقوق. المهاجر يصل اليوم، تفتح له مسارات السكن، التخطيط، القروض، والدعم، لأنه جزء من المشروع. أما العربي، ابن المكان، فيبقى مطالبًا بإثبات استحقاقه في كل مرة، وبالامتنان لما يمنح له.
هذه الأمثلة ليست شعارات، بل وقائع يومية يعرفها كل من يعيش هنا. وهي تكشف الفجوة بين تحسين شروط العيش وبين تغيير شروط المواطنة. نهج الميزانيات قد يخفف الألم، لكنه لا يعالج الجذر. بل قد يخلق وهمًا خطيرًا مفاده أن المشكلة كانت دائمًا "نقص أموال"، لا بنية تمييز مرتبطة بنزاع قومي لم يجد حلا له.
هنا تحديدًا يقع الخلاف الجوهري مع نهج منصور عباس. ليس خلافًا على الرغيف، بل على المعادلة. حين يطرحون الحصول على ميزانية كإنجاز بحد ذاته، وفي المقابل يكون المجتمع مطالبا بأن يضع بقية القضايا جانبًا، فإننا بهذا الأسلوب لا نقترب من المساواة، بل نراوح تحت سقفها المنخفض.
التمسك بالثوابت الوطنية والقومية لا يعني تجاهل الحياة اليومية، بل يعني رفض المقايضة الصامتة: خذ المال، واصمت عن الأرض. تحسن خدماتك، وتنازل عن الرواية. اربح اليوم، ولو بقي الغد معلقًا.
التجربة تقول إن التمييز الذي نعيشه ليس منفصلًا عن النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي. الأرض، التخطيط، الأمن، وحتى توزيع الميزانيات، كلها صيغت في ظل هذا النزاع. ولذلك، فإن أي حل يتجاوز هذا السياق سيبقى مؤقتًا. ليس مصادفة أن 80% من قضايانا البنيوية: السكن، التخطيط، المكانة، المساواة، مرتبطة مباشرة بانتهاء الصراع، لا بعدد النواب في الائتلاف.
أنا لا أدعو إلى رفض الميزانيات، ولا إلى شيطنة من اختار مسارًا مختلفًا. لكنني أرفض اختزال السياسة في رقم، وأذكر بأن المال الذي لا يغير موقعك القانوني والوطني، يبقى مالًا هشًا، قابلًا للقطع مع أول استبدال للحكومة.
للمترددين بين الخطابين، ربما يكون السؤال الأبسط والأصدق هو هذا: هل نريد ميزانيات تحسن حياتنا داخل واقع غير عادل، أم مسارًا يهدف إلى تغيير هذا الواقع نفسه؟ الميزانية قد ترمم البيت، لكن الحق هو الذي يمنع هدمه.