
















اهلا-بقلم دارين طاطور نحن في الداخل الفلسطيني، أو داخل الخط الأخضر أو فلسطينيو الـ ٤٨ أو أي مسمى تريدونه لنا، لا نموت فجأة. الأمر أشبه بالتدريج، كأننا نُستنزف ببطء. القتل هنا ليس لحظة واحدة، بل جراح تتراكم يومًا بعد يوم.
الرصاصة التي تطلق اليوم لم تعد حدثًا غريبًا، ولم تعد الجريمة صدمة تُهزّنا، صارت مجرد خبر عابر يمر بين إعلانين على الهاتف.
نعيش في مكان يتقن صناعة القتل، لكنه يتقن أكثر صناعة التجاهل واللامبالاة، القاتل واضح، والسلاح معروف، لكن الصمت هو الشريك الأكبر والأكثر خيانة.
يسمون ما يحدث "عنفًا داخليًا"، وكأن العنف يظهر من لا شيء وبلا سبب، وكأن السلاح ينبت من الأرض ويتم قطفه، لا بسبب أن هناك يدًا تسمح له بالانتشار، وقانون يُغمض عينيه عن المجرمين وعصابات الإجرام الممولة من هذه الدولة التي قررت أن تتركنا نلتهم بعضنا بدل أن تواجه المشكلة.
نحن لسنا مجتمعًا عنيفًا، نحن مجتمع متروك، مهملٌ، حكم عليه بالاهمال من غير محاكمة. نحن محاصرون بالفقر، مخنوقون بالتمييز العنصري، كلما حاولنا أن نرفع صوتنا، نجد من يراقبنا ويسجننا على كلمة نقولها، مجتمع يتم تجاهل جراحه حين ينزف.
في شوارعنا، الأم تعرف شكل جثة ابنعا قبل أن تزورها ملامح الشيخوخة. الطفل يسمع صوت الرصاص ويحفظه أكثر مما يحفظ جدول الضرب. الخوف عندنا أصبح جزءًا من حياتنا، ليس حدثًا عابرًا أو طارئًا.
كل حياة تُزهق هنا هي قصة فشل تراكمت عبر الزمن، إنذار لم يُسمع، فرصة ضاعت لإنقاذ روح، لو كان مسجلا في الهوية "ديفيد" بدل أحمد، "حاييم" بدل إلياس، و "ياعيل" بدل فاطمة.
إن غضبنا، لا تسألوا لماذا نغضب الآن. اسألوا لماذا استغرق غضبنا كل هذه السنين حتى يظهر.
نحن لا نبحث عن شفقة من أحد، بل نطالب فقط بحقنا في العيش بكرامة مثلنا مثل كلّ البشر. نحن لا نريد خطابات رنانة، بل نريد أن يتوقف هذا النزيف المستمر الذي أصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
ما يحدث ليس مجرد قضاء وقدر، بل هو قرار متعمد. أما صمتنا حتّى اليوم، فهو جريمة إضافية لا تغتفر.
هل تعلمون ما الخوف الحقيقي الذي أصابنا؟ أننا أصبحنا بلا ضمير، بلا نبض أخلاقي. أننا صمتنا أمام إبادة شعبنا واعتدنا أن نراقب الموت وكأنه مشهد عادي، دون أن نحرّك ساكنًا. واليوم ها نحن نعتاد أيضًا على عدّ الضحايا دون أن نصرخ، نغلق أفواهنا مرة أخرى، وهم يقتلوننا لكن الفرق هذه المرة أننّا نقتل بأيادٍ منّا منظمة عبر شبكات إجرامية، محمية، ممولة تحت سقف هذه الدولة، وكل ما أسمعه أنّ بن غفير هو السبب، لا، بن غفير ليس السبب إنّما هو النتيجة. نعم هو فقط النتيجة. بينما يكمن السبب الحقيقي بأننا سكتنا، اعتدنا، وجدنا أعذارًا، وخفنا أن نقف في وجه الظلام.
السبب لأننا رأينا الدم الفلسطيني يُسفك أمام أعيننا، قلنا: "ما فينا نعمل شي". وحين صار القتل يدخل بيوتنا، قلنا: "شو نعمل".
الوقت لا ينتظر أحدًا، مهما طال الانتظار. الدم لا يميز بين من صمت على الإبادة على مدار سنتين ومن يُقتل الآن في حارات بلدته.
إذا لم نواجه الواقع الآن، سنُدفن غدًا بصمت هادئ وبكلمات مواساة فارغة. وهذا… ليس عجزا، هذا اختيار.