
















اهلا بقلم المهندس : غسان جابر لو عاد ابن المقفّع اليوم، لما أرهق نفسه بتربية الأسود ولا بتأديب الملوك، بل لاختصر الطريق وافتتح عيادة فلسطينية شاملة: السياسة: مريض يتكلم أكثر مما يتحرك كل فصيل يدخل العيادة بصفته “الطبيب المناوب”، الطبيب البيطري – الذي ملّ من السياسة – يهمس للممرضة: “المريض لا يريد علاجًا… يريد تفسيرًا مقنعًا لسبب بقائه مريضًا”. الاقتصاد: على جهاز التنفس… ويتهم الإنتاج بالإرهاب الاقتصاد هنا ليس مشروعًا، بل حالة إنسانية. كل محاولة إنتاج تُواجَه بسؤال أمني، الإعلام: نشرة أخبار من داخل غرفة الانتظار الإعلام الفلسطيني أنيق، مهذّب، وذو صوت منخفض. يعشق كلمة “التحديات”، يحبّ القصص المؤثرة، شرط أن تنتهي بالبكاء لا بالغضب. في نشراته، الجميع يعمل، الجميع يجتهد، “هذا ليس إعلامًا… هذا تخدير موضعي طويل الأمد”. الفن: مكياج وطني بلا مرآة الفن الفلسطيني يجلس في صالة الانتظار بكامل أناقته. لكن لا أحد يجرؤ أن يسأل: فنّ لا يربك السلطة، الغضب موجود… لكن بنسخة “لايت”، المجتمع: متعايش مع المرض… ويخاف من الشفاء المجتمع، المسكين، تعلّم كيف يعيش داخل العيادة. الكل يشتكي، الانتخابات القادمة: مشهد باسم… بلا نص وهنا نصل إلى جوهرة العيادة: الانتخابات هنا ليست أداة تغيير، “حين يُسمح لك بالاختيار دون أن يُسمح لك بالتغيير، فهذه ليست ديمقراطية… هذه تهوية نفسية”. نقول : وصفة بلا سكر لا شفاء بلا ألم. وانتخابات تكون بداية محاسبة، لا نهاية غضب. «نعتذر… الشفاء ممكن، لكن غير مرغوب به حتى إشعار آخر». وفي سجلّ المرضى، ملاحظة أخيرة بخط عريض: المشكلة في قفصٍ أقنعنا أنفسنا أنه وطن. م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
سياسة في الطابق الأرضي، اقتصاد في العناية المكثفة، إعلام في قسم العلاقات العامة، فن في صالة الانتظار، والانتخابات… في الواجهة الزجاجية، للعرض فقط.
على الباب لافتة حديثة التصميم، بتمويل دولي، تقول:
«نستقبل جميع الحالات… شرط ألّا تطلبوا الشفاء الكامل».
السياسة الفلسطينية حالة طبية معروفة: تضخم في الخطاب، ضمور في الفعل.
لسان طويل، وخطوات قصيرة، وذاكرة مثقوبة.
نفس الوجوه تتبدل أماكنها كما تُبدَّل الأسرّة في المستشفى، ونفس الجُمل تُعاد تدويرها منذ اتفاق لم يعد أحد يتذكر لماذا وُقّع.
يشخّص الآخرين، ويمنح نفسه إجازة من المحاسبة.
الوصفة جاهزة:
جرعة وحدة وطنية قبل النوم،
حبّة تخوين بعد كل فشل،
ومسكن ألم باسم “الظرف الإقليمي”.
في الغرفة المجاورة، الاقتصاد الفلسطيني مربوط بأسلاك أكثر من مشروع وطني.
لا يُسمح له بالوقوف طويلًا، ولا بالسقوط أيضًا.
يُطلب منه أن يعيش… بلا حركة.
عملة بلا سيادة، اصلا فيش عنا عملة.
سوق بلا حماية،
وتاجر يُحاسَب إن ربح،
وعامل يُلام إن طالب بحياة طبيعية.
يعتمد على التحويلات كما يعتمد المريض على الأوكسجين:
تبقيه حيًا، وتمنعه من المشي.
وكل فكرة استقلال تُؤجَّل “لما تهدأ الأوضاع” —
والأوضاع، كعادتها، لا تهدأ إلا في البيانات.
يتقن فن التوازن:
لا يغضب أحدًا،
ولا يوقظ أحدًا.
ويتحسس من كلمة
“المسؤولية”.
ولا أحد يخطئ.
الخلل دائمًا “في الظروف”،
والأزمة بلا اسم،
والفشل يتيم.
ملصقات جميلة، مهرجانات براقة، أغنيات تليق بالتمويل.
لماذا صار الفن خائفًا؟
لماذا يهمس حين يجب أن يصرخ؟
ولماذا صار أقرب إلى تصميم داخلي للوجع؟
ولا يحرج المجتمع،
ولا يقترب من الأسئلة الثقيلة:
الطبقية، الفساد، النفاق، الذكورية، العجز الجماعي.
مفلترة، قابلة للمشاركة، وغير قابلة للمساءلة.
صار يعرف أسماء الأمراض أكثر من أسماء الحلول.
يضحك ساخرًا، يشتم في السر، ويصوّت… عند الطلب.
والكل يعرف،
والكل ينتظر “انتخابات تغيّر كل شيء”.
الانتخابات القادمة.
ملصقات، شعارات، وجوه “جديدة” بذاكرة قديمة.
خطاب عن التغيير،
وقوائم تُدار بعقلية المجالس العشائرية.
بل عرض موسمي:
نُفرغ الغضب في الصندوق،
ثم نعود لمقاعد الانتظار.
كليلة ودِمنة، لو حضرتا هذا المشهد، لقالتا:
ولا تغيير بلا خسائر.
سياسة تُقاس بالأفعال لا بالخطب.
اقتصاد يُبنى على الإنتاج لا الإعاشة.
إعلام يسأل بدل أن يجمّل.
فنّ يزعج… حتى لو خسر الدعم.
وإلى أن يحدث ذلك،
ستبقى العيادة مفتوحة،
والحالات تتكاثر،
واللافتة على الباب صادقة جدًا:
المشكلة ليست في كليلة ولا دِمنة…