
















اهلا
المسيحي الفلسطيني بين النضال والتهميش
صرنا غرباء في وطننا
بقلم رانية مرجية
في ليالي بيت لحم الباردة، حين تتوهج شجرة الميلاد في ساحة المهد، يبدو المشهد من بعيد مكتملًا؛ التراتيل تصعد نحو السماء، الحجارة القديمة تحتفظ بوقارها، والسياح يلتقطون صورًا لمدينة يظنون أنها ما تزال كما كانت دائمًا. لكن خلف هذا الضوء، ثمة حزن خافت لا يراه أحد. حزن يشبه المدن التي تتقن إخفاء ندوبها.
في الأزقة القديمة، تعرف الجدران أسماء الذين رحلوا. بيوت أُغلقت نوافذها منذ سنوات، مقاعد بقيت فارغة في الكنائس، وعائلات كاملة غادرت بصمت، كأنها كانت تخشى أن يسمع الوطن صوت انكسارها. الهجرة هنا لا تحدث دفعة واحدة، بل كالنزيف البطيء؛ يبدأ بشخص، ثم أخ، ثم عائلة كاملة، إلى أن يصبح الغياب جزءًا من المشهد اليومي.
المسيحي الفلسطيني لم يكن يومًا عابرًا في هذه البلاد، ولا أقلية تبحث عن حماية أحد. هو ابن هذه الأرض الأولى، ابن الحكاية التي بدأت من القدس وبيت لحم والناصرة قبل أن تتحول فلسطين إلى خبر يومي عن الموت والحصار والمنفى. وعلى امتداد تاريخ القضية الفلسطينية، لم يكن المسيحي شاهدًا محايدًا على الألم، بل كان شريكًا كاملًا في دفع ثمنه؛ في السياسة، والثقافة، والنضال، والسجون، والمنافي، وفي صياغة الوعي الوطني الفلسطيني نفسه.
ومع ذلك، يتسلل اليوم شعور ثقيل إلى كثير من المسيحيين الفلسطينيين: شعور الغريب داخل بيته. ليس لأنهم فقدوا انتماءهم، بل لأن البلاد التي أحبّوها حتى التعب، باتت تضيق بأبنائها جميعًا. الاحتلال لم يكتفِ بمصادرة الأرض، بل صادر الإحساس بالأمان أيضًا، وترك الناس يواجهون خوفهم اليومي من المستقبل وحدهم.
الأكثر قسوة أن المسيحي الفلسطيني يجد نفسه أحيانًا مضطرًا لتفسير بديهيات لا تحتاج إلى تفسير؛ أن يؤكد وطنيته، وأن يشرح جذوره، وكأن انتماءه إلى هذه الأرض يحتاج إلى شهادة جديدة كل مرة. يحدث ذلك في وقت تتراجع فيه مساحة التعدد والانفتاح، ويعلو فيه الخطاب الضيق على حساب الهوية الفلسطينية الجامعة التي كانت، يومًا ما، قادرة على احتواء الجميع دون أسئلة.
القضية هنا ليست قضية طائفة تخشى التراجع العددي فقط، بل قضية وطن يفقد شيئًا من روحه بالتدريج. ففلسطين لم تكن يومًا صورة أحادية اللون. جمالها الحقيقي كان دائمًا في هذا التنوع الذي جعل من القدس مدينة تشبه العالم كله؛ أجراس الكنائس فيها لم تكن نقيضًا لصوت الأذان، بل جزءًا من المشهد ذاته، ومن الذاكرة ذاتها، ومن الحنين ذاته.
وحين يهاجر المسيحي الفلسطيني، لا تخسر الكنيسة مؤمنًا فقط، بل تخسر فلسطين جزءًا من ملامحها القديمة؛ تخسر شيئًا من لغتها الثقافية، من موسيقاها، ومن تلك الروح المدنية التي جعلت الفلسطيني، رغم كل ما مرّ به، أكثر قدرة على التشبث بالحياة لا بالموت.
أقسى أنواع الغربة ليست تلك التي تبدأ عند الحدود والمطارات، بل تلك التي تنمو بصمت داخل القلب. أن تمشي في شوارع طفولتك، وتكتشف أن الأمكنة ما تزال واقفة، لكنها لم تعد تعرفك كما كانت. أن تشعر بأن ذاكرتك نفسها أصبحت مهددة بالاختفاء، فيما العالم يتعامل مع رحيل المسيحيين الفلسطينيين كأنه تفصيل ثانوي في منطقة اعتادت الكوارث.
ورغم كل شيء، ما يزال هناك من يرفض الرحيل. ما تزال الشموع تُضاء في كنائس القدس وبيت لحم كل عيد، لا بوصفها طقسًا دينيًا فقط، بل كفعل مقاومة هادئ في وجه الغياب. وكأن المسيحي الفلسطيني يقول، في صمت يشبه الصلاة: نحن لسنا بقايا ماضٍ قديم، نحن جزء حي من هذه الأرض، من وجعها، ومن مستقبلها أيضًا.
فلسطين التي نحلم بها ليست فلسطين الصوت الواحد، ولا اللون الواحد، بل فلسطين التي تتسع للجميع، وتحمي تنوعها بوصفه ثروة لا تهديدًا، وتحفظ الإنسان قبل أي تعريف آخر.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم بقي من المسيحيين في فلسطين؟
بل: ماذا سيبقى من فلسطين نفسها، إذا استمرت بخسارة أبنائها الواحد تلو الآخر؟