
















اهلا-زياد حلبي الحرب التي قد تصنع القنبلة
ترامب عاد من بكين بلا صفقة كبرى، وبلا ذلك المشهد الذي يحبه رؤساء الولايات المتحدة حين يخرجون من الاجتماعات التاريخية حاملين خرائط جديدة للعالم. لا الصين بدت مستعدة للتضحية بإيران، ولا تايوان تحولت إلى ورقة مقايضة واضحة، ولا الخليج اقترب فعلاً من تسوية مستقرة. لكن في المقابل، كانت إسرائيل تتصرف كأن قرار العودة إلى الحرب قد اتُّخذ بالفعل، وكأن الهدنة الحالية ليست سوى توقف قصير بين جولتين.
في تل أبيب يتعمق اقتناع قديم يتجدد مع كل مواجهة: المشكلة ليست في قدرة إسرائيل على الضرب، بل في عجز الضربات عن إنتاج نهاية سياسية واستراتيجية دائمة. المنشآت تعود، شبكات الإمداد تُرمم، الصواريخ تُنتج بوتيرة أعلى، والنظام الإيراني يُظهر قدرة لافتة على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم نفسه حتى بعد الاغتيالات والاختراقات.
لهذا لم يعد النقاش الإسرائيلي يدور فقط حول البرنامج النووي، بل حول ما هو أخطر : اللحظة التي تقرر فيها إيران أن الطريق الوحيد لمنع تكرار الحروب هو امتلاك الردع النهائي نفسه.
وقد كتبتُ مرات عدة عن هذا الاحتمال تفصيلا . فالتاريخ لا يقول دائمًا إن الحروب تمنع المشاريع النووية، بل يقول أحيانًا إنها تسرّعها. كوريا الشمالية لم تتحول إلى قوة نووية في لحظة رخاء أو تسوية، بل تحت الضغط والعزلة والخوف من المصير نفسه الذي واجهته أنظمة أخرى وبعد توقيعها اتفاق مع الغرب . وفي الشرق الأوسط تبدو المفارقات أكثر قسوة: فالدولة التي تقود اليوم معركة منع إيران من الوصول إلى القنبلة، ارتبط اسمها لعقود، وفق مصادر ودراسات أجنبية، بعلاقات نووية مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وفر له قنبلة نووية . وفي عالم كهذا، لا يصبح السؤال كيف تُمنع القنبلة فقط، بل كيف يمكن أن تُولد سرًا وتحت الأرض وفوق أنقاض الحروب نفسها.
من هنا يتكرس الإلحاح الإسرائيلي على فكرة “الحسم”. فتل أبيب لا ترى في بقاء النظام الإيراني مجرد مشكلة سياسية، بل تعتبره بقاءً لمشروع طويل النفس، قادر على التعلم بعد كل حرب، وأكثر استعدادًا للذهاب نحو الخيارات القصوى. وفي العقل الأمني الإسرائيلي، فإن إيران التي تنجو مرة بعد أخرى قد تتحول تدريجيًا إلى نسخة شرق أوسطية من كوريا الشمالية: دولة محاصرة، مغلقة على يقينها الأيديولوجي، لكنها محمية بردع نووي يجعل مهاجمتها لاحقًا شبه مستحيل.
أما ترامب، فيواصل التغريد والتهديد ومحاولة الإيحاء بأن كل الخيارات ما تزال تحت السيطرة. لكنه يبدو عالقًا داخل مأزق استراتيجي حقيقي: لا هو قادر على إنتاج صورة انتصار تغلق الحرب، ولا هو قادر على الانسحاب منها بالكامل. لغة “الانتصارات المعلنة” لم تعد تكفي لإقناع الأسواق أو الحلفاء أو حتى الداخل الأميركي. ومع اقتراب المونديال الذي تستضيفه الولايات المتحدة، واقتراب الانتخابات النصفية، يبدو آخر ما يريده ترامب حربًا إقليمية مفتوحة. لكن المفارقة أن دينامية التصعيد نفسها قد تدفعه تدريجيًا، قريباً، نحو العمل العسكري الذي يحاول تجنبه.
لهذا يبدو المشهد الحالي أخطر مما يوحي به الهدوء الهشّ. إسرائيل تخشى أن يمنح الوقت إيران فرصة التحول إلى قوة ردع نووية كاملة، فيما تخشى واشنطن أن يؤدي السعي إلى منع ذلك إلى حرب إقليمية مفتوحة ومستنقع عراقي او فيتنامي جديد ، لا يمكن التحكم بمداها ولا بكلفتها. وبين الخوفين، تتحرك المنطقة داخل لحظة تشبه تلك التي تسبق التحولات الكبرى في التاريخ: حين يصبح السلام هدنة مؤقتة فقط ، وتصبح الحرب المقبلة كامنة في الطريقة التي انتهت بها الحرب السابقة.