
















اهلا عماد داود لم تبدأ الحكاية في مزرعة الكرك، ولن تنتهي عندها. ما حدث لم يكن انفجار لحظة، بل سقوط قناع عن فكرة قديمة نعيش بها ونخفيها باسم العائلة. لم تكن السكين غريبة عن هذا البيت. الأمانة لها يد تحمل. ما جرى في الكرك ليس لغزًا. هو نتيجة طبيعية لمقدمة خاطئة عشناها طويلًا. بدأت يوم قرر مجتمع كامل أن يربّي أبناءه على أن الرجولة صوت مرتفع، ويد ثقيلة، وغضب لا يُحاسَب. يوم قيل للصبي إن البكاء عيب، وإن الاعتذار هزيمة، وإن المرأة حين تطلب حقها تتحول من شريكة إلى خصم يجب تأديبه. بدأت في بيت يعلّم السيطرة. وفي محكمة تعرف كيف تحسب النفقة بالدينار، لكنها لا تعرف كيف تقرأ الخطر في عيني رجل يرى أبناءه ممتلكات لا أمانة! ثلاثة أطفال. أخذهم أبوهم كما يفعل كل أب. في تلك اللحظة، لم تكن المأساة في السكين. الطفل لا يشك في أبيه. لا يعرف أن اليد التي يمسكها قد تكون آخر ما يمسكه في حياته. دخلوا المزرعة بخفة الطفولة نفسها. ثم رفع الأب السكين. ليس الوجع أنهم ماتوا… أن النداء الأخير لم يكن استغاثة من قاتل مجهول… بل نداء طفل لأبيه، الذي لم يفهم بعد أنه هو الخطر! بعدها، أخرج هاتفه. لم يحتج إلى كلمات. لن أقتلكِ أنتِ، لأن موتكِ راحة. هذه ليست جريمة غضب. والرسالة لا تُكتب إلا حين يكون صاحبها مقتنعًا أنه على حق. وهذا الاقتناع… نحن من صنعه! جملة جملة. في الرمثا، أم قتلت طفلتيها ثم أنهت حياتها. حين تتكرر الجريمة بالطريقة نفسها، وللسبب نفسه، فهذه ليست مصادفة. والنظام لا يصنعه مجنون واحد، بل عقل جماعي يعمل بهدوء في الضوء… قبل أن تلمع السكاكين في الظلام! المدرسة علّمته النجاح، ولم تعلّمه كيف يجلس مع ألمه. وفي عقل تشبّع بهذه الأكاذيب، لا تُقرأ المرأة التي تطلب حق أطفالها كصاحبة حق… بل كخصم يعلن هزيمة الرجل. والرجل الذي تربّى على أن الرجولة سيطرة لا يعتذر. ولا ينتقم من المرأة… بل من الأطفال الذين صاروا دليلاً حيًا على خسارته. هنا تنكشف الجريمة: الأطفال لم يُقتلوا لأنهم أبرياء. حين تصبح الأرواح أدوات، يصبح القتل لغة. الجريمة الأصلية بدأت قبل السكين بسنوات: هؤلاء أولادي، إذن أملك مصيرهم! هذه أخطر كذبة نعيشها. لا تُقال صراحة، بل تُمارس يوميًا… في القرار، في الإذن، في الحياة التي تُرسم لطفل لم يُسأل. الأطفال لا يُملكون. لكننا ربّينا الأب كمالك… ثم صُدمنا حين تصرّف كمالك! نقول: مريض نفسي. مختل. ماذا لو لم يكن وحده مريضًا؟ ماذا لو كان النسخة الصريحة من مرض نتقاسمه جميعًا… لكن بتهذيب؟ نفحص الدم… ولا نفحص الغضب. في الأردن، نفحص المقبلين على الزواج من الثلاسيميا. جيد. لأن أثر الأب المكسور أشد من أي مرض. نحتاج إلى قضاة يقرأون البشر لا الأوراق فقط. العدل ليس أن ينتصر الرجل أو المرأة. ويجب أن تُكتب هذه الجملة فوق كل محكمة أسرة… لا بالحبر، بل بما تبقّى من دم أطفال الكرك! الأب الذي يقتل أبناءه يموت ثلاث مرات. في اللحظة التي يخاف فيها الطفل من أبيه… لا يصبح الطفل وحده يتيمًا. المجتمع الذي يقدّس الأب أكثر من الطفل لا يبني أسرة. أنا لا أخاف من الذي قتل. ممن يقرأ الآن… ويغضب من المقال أكثر من غضبه من الجريمة. هؤلاء لا يحملون سكينًا بعد… هنا يبدأ القتل الحقيقي. لا تسأل من قتلهم. اسأل نفسك: كم مرة ظننت أن طفلك جزء منك… لا إنسانًا مستقلًا عنك؟ لا تُجب. انظر إلى يدك فقط. في الأردن، لم تبدأ الحكاية في مزرعة. ومنذ ذلك اليوم—
الأردن بعد الكرك: القاتل ليس أبًا فقط… القاتل فكرة ربّيناها جميعًا!
في الأردن، حين يُربّى الأب على أنه مالك لا مؤتمن، لا تصبح السكين أداة جريمة… بل نتيجة متأخرة لتربية خاطئة.
لهذا، ما يجب أن يُحاكم اليوم ليس رجلاً واحدًا فقط، بل الفكرة التي جعلت من الأبوة سلطة، ومن الطفل ضحية مؤجلة.
---
كانت هناك منذ زمن… ونحن من اخترنا ألا نراها.
والملكية لها يد تكسر.
وفي مدرسة تعلّم الحساب.
وفي منبر يصرخ كل جمعة عن أعداء بعيدين… بينما العدو الحقيقي يعود كل مساء إلى بيته، يخلع حذاءه على الباب، ثم يخلع إنسانيته على وجوه أطفاله باسم القوامة!
في الخامسة، والسابعة، والعاشرة.
ضحكوا. تشاجروا. ربما سأل أحدهم: متى سنعود إلى ماما؟
كانت في الثقة!
وهذا ليس سذاجة… هذا هو تعريف البراءة!
كانوا يرون في أبيهم جبلاً… لا رجلاً يحمل خرابًا أكبر من البيت.
الوجع أنهم ماتوا وهم يعتقدون أن أباهم سينقذهم!
صوّر ما فعل.
وأرسل الصور.
الصورة قالت كل شيء:
سأقتل قلبك، وأتركك حيّة لتتذكري.
هذه رسالة!
وصية وصية.
خطبة خطبة.
في الزرقاء، أب خنق طفلته وأرسل صورتها.
وفي سيل الزرقاء، أب ألقى طفليه في الماء لأن زوجته طلبت ما يكفل لهم الخبز.
هذا نظام!
الأسرة علّمته السلطة، ولم تعلّمه أن الأبوة خدمة.
المجتمع علّمه أن الأطفال امتداد لاسمه، لا أرواح لها مصيرها.
والثقافة أقنعته أن النفقة إهانة.
ينتقم!
قُتلوا لأنهم شهود!
وحين يصبح القتل لغة، يصبح الصمت تعليمًا!
فكرة الملكية.
الأطفال يُؤتمن عليهم!
والمالك حين يخسر… يحرق ما يملك!
لأن هذا يعفينا من السؤال الأخطر:
نبحث عن أمراض في الجسد… ونتجاهل أمراض التربية!
لكن لا أحد يسأل: هل تعرف كيف تغضب دون أن تدمّر؟ هل تستطيع أن تكون أبًا؟
يسألون: هل هذا أب يحب… أم رجل يحاسب؟
العدل أن ينتصر الطفل!
لكن الأبوة تموت قبله!
تصبح الدولة كلها يتيمة!
يبني مقبرة مؤجلة!
أخاف ممن لم يفعل بعد!
ممن يرى في النفقة إهانة.
وفي استقلال المرأة تحديًا.
وفي غضبه حقًا مطلقًا.
لكنهم يحدّونها كل يوم!
ليس في المزرعة… في الفكرة!
---
كم مرة شعرت أن لك حقًا في كسره… لأنك من أنجبه؟
بدأت يوم قررنا أن نربّي أبناءنا على الطاعة… لا على الأمان.
لم تعد السكين تفارق البيت.