
















اهلا شيرين أبو عاقلة… حين تعجز الرصاصة عن إيقاف الصوت هل يمكن للعالم أن يفقد صوته… دون أن يلاحظ؟ نكتب شيرين أبو عاقلة لا لأنها رحلت، بل لأنها بقيت أكثر مما ينبغي للغياب أن يحتمله. لأن هذا الصوت، الذي لم يكن يومًا مرتفعًا، كان كافيًا ليُعيد ترتيب الفوضى، ليمنح الحدث شكله الإنساني، لا صورته العارية. لم تكن شيرين مراسلة في الجزيرة بقدر ما كانت شكلًا من أشكال الطمأنينة في زمنٍ فقد طمأنينته. في عالمٍ يركض خلف الصورة، كانت شيرين تُبطئ المعنى. كانت تعرف—بحدسٍ نادر—أن الخطر لا يكمن فقط في العنف، بل في تحوّله إلى اعتياد. شيرين لم تكن تقترب من الحدث… في 11 مايو 2022، لم يكن المشهد مختلفًا. الرصاصة التي أصابتها لم تكن حدثًا، ومع ذلك، لم تنتهِ. لأن شيرين لم تكن صوتًا فرديًا، انكشف كم كنّا نعتمد عليها لنفهم، أنا لا أكتب شيرين لأخلّدها، شيرين أبو عاقلة لم تترك لنا أرشيفًا فقط، كانت تفعل ذلك دون ادّعاء، لكنها، في النهاية، صارت القصة التي لا يجب أن تُروى مرة واحدة فقط… لأن من ينسى شيرين… هناك،
بقلم: رانية مرجية
أم أن بعض الأصوات، حين تغيب، تكشف لنا كم كنّا نعتمد عليها لنفهم ما يحدث، لا لنسمعه فقط؟
صوتها لم يكن يشرح ما يحدث فقط، بل كان يضعه في مكانه الأخلاقي: هنا ألم… وهنا إنسان… وهنا ما يجب ألا يُنسى.
تُعيده إلى حجمه الحقيقي، بعيدًا عن الضجيج، بعيدًا عن الاستعراض.
لم تكن تُنافس الحدث، بل تحميه من أن يتحول إلى مشهدٍ عابر.
ولهذا، كانت تقف كل مرة، في المكان نفسه تقريبًا، لتقول: لا… هذا ليس عاديًا.
وكانت تقولها بهدوءٍ يكفي ليجعلها أكثر وقعًا من الصراخ.
كانت تنحاز إليه.
تنحاز إلى الإنسان فيه، إلى الوجوه التي لا تُذكر، إلى التفاصيل التي تُسحق تحت العناوين.
كانت ترى ما لا يُرى، وتقول ما لا يُقال، دون أن تدّعي ذلك.
امرأة تؤدي عملها، تحمل كاميرا، ترتدي سترة صحافة، تقف في وضوحٍ كامل، كما لو أن الوضوح يحمي.
لكن العالم، في لحظاتٍ كهذه، لا يخاف من الغموض… بل من الوضوح نفسه.
بل كانت جملةً مكتملة في نصٍّ طويل:
نصٍّ يقول إن الحقيقة، حين تقترب كثيرًا، تُصبح هدفًا.
بل كانت طبقةً من الوعي،
وحين سقطت، لم يسقط الصوت…
بل انكشف الصمت.
كم كنّا نؤجل أسئلتنا لأنها كانت تسألها نيابةً عنا،
كم كنّا نطمئن لأن هناك من يرى بوضوحٍ كافٍ ليقول.
لأنها لم تعد بحاجة إلى الخلود.
أنا أكتبها لأننا نحن من يحتاج إلى تذكير:
بأن الصوت ليس ترفًا،
وأن الحقيقة، حين لا تجد من يقولها، تختنق.
بل تركت معيارًا أخلاقيًا:
كيف نرى،
كيف نقول،
وكيف لا نخون ما نراه.
دون بطولة معلنة،
دون أن تحوّل نفسها إلى قصة.
بل كلما اقترب العالم من نسيان نفسه.
لا ينسى صوتًا فقط،
بل يتدرّب—ببطءٍ قاتل—على التعايش مع غياب الحقيقة
لا تموت شيرين مرّةً واحدة…
بل تموت فينا كلّ يوم