
















اهلا- مصطفى رحمة- فنان تشكيلي
حين تُحذف الأسماء…
ويُستهدف التاريخ
ليس حذف اسم جمال عبد الناصر من مبنى أو منشأة قرارًا إداريًا بريئًا، كما يحاول البعض تصويره. إنه، في حقيقته، محاولة بائسة لإعادة صياغة الذاكرة العامة.
وقد يكون بأوامر من الخليج تحديداً، فالأسماء لا تُزال من الجدران إلا حين يعجز خصومها عن إزاحتها من التاريخ.
ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف حول رجل أو مرحلة، بل معركة على معنى التاريخ نفسه. فبعد أكثر من نصف قرن على رحيل ناصر، ما يزال اسمه يثير ذلك القدر من الانفعال والهلع، وكأن الرجل لم يمت بعد.
والسبب بسيط: لأن مشروعه، بكل ما له وما عليه، كان مشروع استقلال حقيقي لدولة حاولت أن تقف على قدميها في عالم لا يحترم إلا الأقوياء.
لم يكره خصوم ناصر الرجل لأنه أخطأ؛ فكل تجربة سياسية تخطئ وتصيب. بل كرهوه لأن مشروعه لم يقم على التسوّل و العطايا. لم يكن نظامه قائمًا على الاستجداء الاقتصادي أو الارتهان الدائم للديون. كان، على العكس، محاولة لبناء دولة قادرة على أن تنتج ما تأكله وتملك قرارها السياسي.
وهنا تحديدًا بدأ الصراع الحقيقي. فمنذ سقوط مشروعه، انطلقت ماكينة طويلة من التشويه. وقد عبّر عن ذلك صراحة القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، عمر التلمساني، حين أعلن أنهم سيلاحقون ناصر حتى مقبرته بالإشاعات.
لم يكن ذلك مجرد تصريح عابر، بل خطة سياسية طويلة النفس: صناعة صورة شيطانية للرجل حتى تتحول إلى «حقيقة» في أذهان أجيال لم تقرأ التاريخ.
واليوم نرى نتائج تلك الحملة بوضوح. فهناك من يكرر، بثقة عجيبة، أن ثورة 23 يوليو 1952 لم تكن ثورة بل «انقلابًا قام به ضباط صغار». وكأن تغيير البنية الاجتماعية والاقتصادية لبلد كامل يمكن اختزاله في هذا الوصف القبيح.
وبعدما تكالبت عليه كل الأنظمة خاصة أمريكا بقبحها نزولاً على رغبة الكيان وكما يحدث الآن بإيران.
لكن الأخطر من كل ذلك ليس الجدل حول ناصر، بل التحول الذي أصاب المجتمع نفسه. فقد تراجعت العلاقة بالمعرفة، وتقلص حضور القراءة والنقاش الجاد للتاريخ. وفي مجتمع يبتعد عن الكتاب، تصبح الإشاعة أكثر قوة من الوثيقة، ويصبح الشعار أعلى صوتًا من الحقيقة.
وأتحدى أن يأتي أحد بدراسة موضوعية في ادانة الرجل لحتى أصدقه .
ولهذا لم يعد غريبًا أن ترى البعض يحمّل ناصر مسؤولية كل ما جرى في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي.
كل أزمة اقتصادية، كل تراجع سياسي، كل فشل لاحق… يُلقى على رجل رحل منذ عقود، بينما تُمحى من المشهد عقود كاملة من السياسات والقرارات التي اتُخذت بعده.
إنها الطريقة الأسهل للهروب من مواجهة الحاضر بعدما فشلنا تماماً واصبحنا مطيّة للذي يسوى والذي لا يسوى
: شيطنة الماضي كمطلب.
ومع ذلك، ثمة حقيقة بسيطة لا يستطيع أحد تغييرها. التاريخ لا يُمحى بقرار إداري، ولا تُلغيه لافتة تُنزع من جدار. قد يزيلون اسم جمال عبد الناصر من بعض المباني، لكنهم لن يستطيعوا إزالته من ذاكرة شعبٍ ما زال يرى في تلك اللحظة التاريخية محاولة نادرة لامتلاك القرار الوطني.
فالأسماء التي تعيش في الذاكرة لا تحتاج إلى حجارة كي تبقى.
إنها تبقى لأن أصحابها تركوا أثرًا…
لا لأن أسماءهم كُتبت على الجدران.