
















اهلا-رانية مرجية
عقلية المجرم: بين الدوافع النفسية وحدود المسؤولية القانونية بقلم: المحامية عائشة يونس
حين تقع الجريمة يتجه الاهتمام عادة إلى الفعل نفسه: من ارتكب الجريمة؟ وكيف سيعاقَب؟ غير أن السؤال الأعمق الذي يطرحه الفكر القانوني الحديث هو: ماذا يحدث داخل عقل الإنسان قبل أن تتحول الفكرة إلى فعل؟ فالجريمة ليست مجرد خرق لنص قانوني، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة عملية معقدة من التفاعلات النفسية والانفعالات الإنسانية. فقبل أن يتحول السلوك الإجرامي إلى واقع، يمر العقل البشري غالباً بحالة من الصراع الداخلي بين القيم الأخلاقية والضوابط الاجتماعية من جهة، وبين الانفعالات والدوافع الشخصية من جهة أخرى. وفي بعض اللحظات قد تسيطر مشاعر الغضب أو الانتقام أو الإحباط على تفكير الإنسان، فتضعف قدرته على التفكير المتزن، ويتراجع صوت الضمير الذي يدعوه إلى التوقف أو إعادة النظر في العواقب القانونية والإنسانية لما قد يقدم عليه. وعند تلك اللحظة الدقيقة قد ينتقل الإنسان من دائرة التفكير إلى دائرة الفعل، لتتحول لحظة انفعال عابرة إلى جريمة قد تترك آثارها لسنوات طويلة. غير أن فهم هذه العملية النفسية لا يعني تبرير الجريمة أو إعفاء مرتكبها من المسؤولية. فالقانون الجنائي يقوم على مبدأ أساسي يتمثل في مساءلة الإنسان عن أفعاله متى كان مدركاً لطبيعة سلوكه وقادراً على التحكم في إرادته. ولهذا يحرص القانون على تحقيق توازن دقيق بين فهم الدوافع الإنسانية التي قد تقود إلى الجريمة، وبين حماية المجتمع من السلوك الإجرامي. ومن هنا لم يعد تقييم الجريمة في القانون الجنائي يقتصر على الفعل المادي وحده، بل يمتد أيضاً إلى الحالة الذهنية للجاني وقت ارتكاب الفعل، ومدى توافر الإدراك والإرادة لديه. فهذه العناصر تعد من الركائز الجوهرية في تحديد المسؤولية الجنائية وتقدير العقوبة المناسبة. كما أن البيئة الاجتماعية والتربوية تلعب دوراً مهماً في تشكيل شخصية الإنسان وطريقة تعامله مع الضغوط والانفعالات. فالبيئات التي يسودها العنف أو الإهمال أو غياب التوجيه قد تترك آثاراً عميقة في البناء النفسي للفرد، وقد تؤثر في طريقة إدراكه للمواقف وردود أفعاله تجاه الآخرين. وفي المقابل، تمثل التربية السليمة والقيم الأخلاقية والوعي القانوني خطوط الدفاع الأولى في الوقاية من الجريمة. فالمجتمع الذي يعزز ثقافة الحوار والتوجيه والدعم النفسي يكون أكثر قدرة على الحد من السلوك الإجرامي قبل أن يتحول إلى واقع. إن دراسة عقلية المجرم لا تهدف إلى تبرير الجريمة، بل إلى فهم الظروف التي قد تسهم في وقوعها. فكلما ازداد فهم المجتمع لهذه العوامل، أصبح أكثر قدرة على تطوير سياسات قانونية واجتماعية تسهم في الحد من الجريمة وتعزيز العدالة. فالقانون يعاقب الجريمة بعد وقوعها، لكن الوقاية الحقيقية تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ بالتربية، وبترسيخ القيم، وببناء وعي إنساني وقانوني يجعل الإنسان قادراً على كبح انفعالاته والتفكير في عواقب أفعاله. وفي النهاية تبقى الجريمة ظاهرة إنسانية معقدة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، بل هي نتيجة تفاعل متشابك بين النفس والبيئة والتجربة الحياتية. ولذلك فإن فهم عقلية المجرم لا يساعد فقط في تفسير الجريمة بعد وقوعها، بل يمثل خطوة أساسية في العمل على منعها قبل أن تحدث، وهو ما يشكل أحد أهم أهداف العدالة في أي مجتمع يسعى إلى الأمن والاستقرار