
















اهلا بقلم : المهندس غسان جابر
تخيّلوا كتلة انتخابية تدخل انتخابات بلدية الخليل… لكنها لا تتحدث بلغة العشائر، ولا تتقن حسابات الفصائل، ولا توزع الوعود مثل بطاقات تهنئة في موسم الأعياد.
كتلة لا تبدأ من سؤال: “من يمثل من؟”
بل من سؤال أكثر إزعاجًا:
من يعرف ماذا يفعل فعلًا؟
فجأة… يصبح المشهد مختلفًا.
والمختلف دائمًا يثير الشك قبل أن يثير الإعجاب.
مرشحون بلا درع اجتماعي… ولا مظلة تنظيمية
في هذه الكتلة الافتراضية، المرشح ليس “اسمًا ثقيلًا”… بل ملفًا مفتوحًا.
لا يقدّم نفسه بصفته ابن العائلة الفلانية… أو ممثل الجهة الفلانية… أو صاحب التاريخ الفلاني.
بل يقدّم نفسه بسيرة مهنية واضحة… إنجازات قابلة للقياس… وخطة عمل مكتوبة بلغة الأرقام لا العواطف.
مرشح يعرف كيف تُدار ميزانية…
كيف تُنفذ خطة…
كيف تُقاس النتائج…
وكيف يشرح للناس لماذا نجح… ولماذا فشل.
بمعنى آخر… شخص يمكن محاسبته.
وهذا وحده كافٍ ليجعل البعض يشعر بعدم الارتياح.
برنامج انتخابي لا يبتسم… بل يشرح
برنامج هذه الكتلة ليس دافئًا… ليس شاعريًا… ليس مليئًا بالكلمات الكبيرة.
هو عملي… مباشر… وربما مقلق قليلًا.
يعد الناس بما يمكن قياسه:
كم ساعة مياه إضافية؟
كم طن نفايات أقل؟
كم يومًا أسرع لإنجاز المعاملة؟
كم شيكل دينًا أقل… وكم إيرادًا أكثر؟
يتحدث عن الشفافية المالية كأنها إجراء إداري عادي… لا بطولة أخلاقية.
وعن التوظيف بالكفاءة كأنه أمر بديهي… لا معركة سياسية.
البرنامج كله يقول فكرة واحدة بصوت منخفض لكن واضح:
البلدية مؤسسة خدمة… وليست ساحة نفوذ.
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية
لأن هذا النموذج — ببساطة — لا يعرف كيف يلعب اللعبة التقليدية.
لا يوزع التمثيل على أساس القرابة.
لا يوازن بين النفوذ.
لا يطمئن القوى الاجتماعية بأنه “يفهم الترتيبات”.
بل يضع معيارًا واحدًا مزعجًا جدًا:
القدرة على العمل.
وهنا يتحول السؤال من: “هل هذا البرنامج جيد؟”
إلى سؤال أكثر واقعية:
هل يمكن لبرنامج جيد أن يفوز أصلًا؟
المعادلة التي لا تُقال بصوت عالٍ
في السياسة المحلية، الكفاءة مهمة… لكنها ليست العملة الوحيدة المتداولة.
هناك شبكة غير مرئية من الاعتبارات:
الانتماء… العلاقات… التوازن… النفوذ… التاريخ… الرمزية.
هذه ليست أسرارًا… بل حقائق يومية يعرفها الجميع ويتجاهلها الجميع في الوقت نفسه.
ولهذا تبدو الكتلة المهنية الحديثة كأنها تدخل سباقًا مختلفًا… بقواعد مختلفة… وفي ملعب لم يُصمم لها أصلًا.
ومع ذلك… هناك فرصة
لأن شيئًا ما تغيّر بصمت.
الناس التي تنتظر الماء و الكهرباء … لا تسأل عن التوازنات.
الناس التي تريد شارعًا نظيفًا… لا تهتم بتاريخ الخطابات.
الناس التي تريد معاملة محترمة… لا تبحث عن رمزية اجتماعية.
هناك جمهور جديد… متعب… عملي… يريد نتائج لا سرديات.
هذا الجمهور لا يظهر كثيرًا في المشهد… لكنه موجود… ويتسع… ويزداد صبره نفادًا.
السؤال الذي يقرر كل شيء
هل تكفي الرغبة في خدمة أفضل… لكسر عادات انتخابية قديمة؟
هل يمكن للإدارة المهنية أن تنافس الهوية الاجتماعية؟
هل يختار الناس من يخدمهم… أم من يمثلهم؟
هذا هو الامتحان الحقيقي… وليس عدد المقاعد… ولا حجم الحملات… ولا كثافة الشعارات.
نقول إن السياسة المحلية تحب الوجوه المألوفة لأنها لا تفاجئ أحدًا… حتى عندما لا تقدّم شيئًا.
ونعرف أن أخطر ما في العادات السياسية… أنها تبدو طبيعية جدًا… حتى وهي تمنع التغيير.
الخلاصة التي لا تحتاج زخرفة
هذه الكتلة الافتراضية قد تفوز… وقد تخسر.
لكن نتيجتها لن تقول فقط من سيدير البلدية… بل ستقول شيئًا أهم:
هل يريد الناس إدارة حديثة… أم توازنًا مريحًا؟
هل يريدون نتائج… أم استمرارية مألوفة؟
لأن الفوز الحقيقي ليس عدد المقاعد…
بل قدرة المجتمع على انتخاب فكرة جديدة… لا مجرد وجوه جديدة.
والسؤال الأخير… الصريح جدًا:
عندما يحين وقت الاختيار… هل سيصوّت الناس لما يحتاجونه فعلًا… أم لما اعتادوا عليه فقط؟
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.