
















اهلا
ليس أخطر ما يمكن أن تخسره الأوطان أبناءها، بل أن تخسر قدرتهم على الاحتمال وهم ما زالوا فيها. فالأردن اليوم لا ينزف من جرح واحد، بل من جراحتين متقابلتين تشدان الجسد الوطني في اتجاهين متعاكسين: جراحة داخلية تُغرق العقل في غيبوبة كيميائية، وجراحة خارجية تدفع الكفاءة إلى غربة جغرافية. وبين الجراحتين يُطرح على الشباب خيار وحشي لا يُقال بصوت عالٍ: إمّا أن تهاجر بعقلك، أو تهاجر بجسدك. وكلاهما إعلان هزيمة صامتة لفكرة الوطن كمساحة للحياة الواعية.
المخدرات هنا ليست مادة، والهجرة ليست سفرًا، بل لغتان مختلفتان لهروب واحد. فالذي يحقن ذراعه بحثًا عن غياب مؤقت للوعي، والذي يحزم شهاداته بحثًا عن اعتراف دائم، ينطلقان من قناعة واحدة: أن البقاء صاحيًا داخل الجغرافيا صار عبئًا لا يُحتمل. وحين تتساوى الغيبوبة الكيميائية مع الغيبوبة الاجتماعية، نكون أمام خلل في بنية المعنى لا في سلوك الأفراد فقط.
المعركة الأمنية، بكل ضرورتها، تظل اشتباكًا مع العرض لا مع المرض. إنها تُشبه طبيبًا ينجح في خفض الحرارة بينما العدوى تتسلل إلى العظام. فالجريمة التي تهز المجتمع ثم تُنسى، ليست استثناءً أخلاقيًا بل نتيجة منطقية لبيوت تحولت من حواضن إلى ساحات استنزاف، ومن علاقات أمان إلى علاقات ضغط. هنا يعود ابن خلدون من عمق التاريخ ليهمس بأن العصبية حين تفقد معناها الاجتماعي، تبحث عن بدائل وهمية: في المادة، في الغربة، أو في العنف.
الدولة لا تُهزم حين تُخترق حدودها، بل حين تصبح حدود الوعي التي ترسمها لأبنائها أكثر قسوة من أي سياج. فحين يحتاج المجتمع إلى قوانين صارمة ليمنع أفراده من تدمير أنفسهم، يكون قد اعترف ضمنيًا بأنه فشل في أن يجعل الحياة نفسها جديرة بأن تُعاش. المعركة الحقيقية ليست ضد المخدر، بل ضد اليأس المعمم، وضد غياب مشروع يجعل من الاستيقاظ صباحًا فعلًا طبيعيًا لا بطولة يومية.
الجسد الوطني هنا واحد، ينزف من شريانين. لا جدوى من سدّ أحدهما وترك الآخر مفتوحًا، لأن الدم واحد والروح واحدة. والانتصار لا يُقاس بعدد المضبوطات ولا بعدد المهاجرين العائدين، بل بعدد العقول التي اختارت الوعي الكامل في وطنها، لا بدافع الواجب بل بدافع المعنى. فالوطن الذي لا يتحول إلى فكرة حية تُغري بالبقاء، سيظل غرفة انتظار كبرى: بعضهم ينتظر الطائرة، وبعضهم ينتظر الإبرة، وكلاهما ينتظر نهاية لا تشبهه.
الرهان الأخير ليس أمنيًا ولا اقتصاديًا فقط، بل وجودي: إما أن يتحول الأردن من مكان يُهرب منه إلى حياة يُهرب إليها، أو تستمر طاقة الهروب الهائلة في استنزاف ما تبقى من نبضه. الوعي ليس ترفًا ثقافيًا، بل آخر خطوط الدفاع عن الدولة. ومن يخسر معركة الوعي، لا ينتصر في أي معركة بعدها!