
















اهلا-ناضل حسنين من الهمس إلى الجهر
ينقسم الجدل الدائر اليوم حول نهج منصور عباس إلى موقفين متعارضين بوضوح. يرى الأول في هذا النهج قراءة واقعية للسياسة، ويعتبره خروجًا شجاعًا من أسر الشعارات إلى عالم الإنجاز الممكن، حتى لو جاء على حساب ثوابت راسخة. في المقابل، يرى الثاني أن ما يجري لا يمثل اجتهادًا مشروعًا، بل انزلاقًا واعيًا عن المبدأ، وتطبيعًا مع منطق التنازل تحت عنوان البراغماتية. هذا المقال لا يسعى إلى الموازنة بين الموقفين ولا إلى المصالحة بينهما، بل يتوقف عند سؤال أعمق: من أين جاء هذا المسار أصلًا، ولماذا ظل سنوات طويلة حبيس الهمس قبل أن يخرج إلى العلن؟
ما يطرحه منصور عباس اليوم لا يمكن فهمه بوصفه اجتهادًا سياسيًا فرضته الظروف، ولا كتكتيك ذكي في زمن الانسداد، بل يجب تسميته باسمه الصريح: جهر بخطأ قديم، كان ممارسة سرية حين لم يكن المجتمع مستعدًا لقبوله، وتم الجهر به حين ضعفت مناعة المجتمع الأخلاقية.
هذا المسار لم يولد مع منصور عباس، ولم يبدأ عند "الموحدة". جذوره تمتد إلى عهد الشيخ عبد الله نمر درويش، حين تشكل داخل الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية خيار سياسي واضح: القبول بقواعد الدولة، تكييف الخطاب الديني مع منطق الممكن، وتقديم الإنجاز، مهما كان ضئيلا، على الموقف المبدئي. الفرق الوحيد أن هذا الخيار أدار نفسه يومها بحذر شديد، لا خجلا منه، بل خوفًا من الاصطدام بالتيار القومي الوطني الذي كان لا يزال حيًا وقادرًا على المحاسبة. لذلك اختار الهمس. لا لأنه كان أقل قناعة، بل لأنه كان أقل قدرة على المواجهة.
التحول لم يحدث لأن الفكرة نضجت، بل لأن الرادع تآكل. حين تراجع الخطاب القومي، وحين فقدت الثوابت قدرتها على الإلزام، وجد هذا المسار نفسه فجأة متحررًا من الحاجة إلى التمويه. عندها لم يعد التنازل يطرح كضرورة مؤلمة، بل كفضيلة. ولم يعد الصمت محرجا، بل جرى تسويقه كحكمة. وهنا تحديدًا انتقلنا من السياسة الرمادية إلى السياسة العارية.
الجهر بهذا المسار لا يشكل شجاعة، بل انكشافًا أخلاقيًا. ما كان خطأ في الظل لم يتحول إلى صواب في الضوء. وما تجنب أصحابه التصريح به خوفًا من الاتهام، لم يصبح نهجًا مشروعًا لمجرد أن ميزان القوى تغير. السياسة لا يغسلها الضوء، والخطيئة لا تمحوها الصراحة.
الأخطر من الخطاب نفسه هو قبوله شعبيًا. لا لأن الجمهور اكتشف واقعيته، بل لأن جزءًا واسعًا من المجتمع لم يعد يرى في الشرف السياسي قيمة تستحق الدفاع عنها إن لم تترجم إلى نتيجة فورية. في هذا المزاج، تختزل السياسة إلى صفقة، وتتحول الكرامة إلى بند تفاوض، ويعاد تعريف الصواب وفق مكاسبه لا وفق ما يصون.
هنا يجب التوقف بوضوح: السياسة التي تقيس نفسها فقط بما تحققه، دون اعتبار لما تهدمه في الطريق، ليست واقعية بل انتهازية. والنهج الذي يبرر التنازل لأنه أتى بنتيجة، نهج مستعد للتنازل أكثر كلما طلبوا منه ذلك، ما دام المعيار الوحيد هو المكسب.
منصور عباس لم يخترع هذا المنطق، لكنه تحمل مسؤوليته كاملة حين قرر تحويله من ممارسة خجولة إلى عقيدة معلنة. لم يعد الأمر إدارة تناقض، بل تبني تناقض. ولم يعد الحديث عن حدود الممكن، بل عن إسقاط الممنوع من القاموس أصلًا.
من الهمس إلى الجهر، لم ننتقل من الوهم إلى الحقيقة، بل من خطأ كان يعرف أنه خطأ، إلى خطأ قرر التوقف عن الاعتذار. وهذا هو الفارق الأخطر. فالمجتمعات لا تسقط حين تخطئ، بل حين تتوقف عن تسمية الخطأ خطأ.
وهنا يجب أن يكون الحكم واضحًا: أن يفهم القارئ مصادر هذا المسار لا يعني أن يغفر له. وأن يفسر ظهوره لا يعني أن يشرعنه. فالسياسة التي تقاس فقط بما تحققه، دون اعتبار لما تهدمه في الطريق، ليست واقعية… بل انتهازية بوجه مكشوف.