
















اهلا- مصريات -د. اشرف الصباغ
هذه مقاطع من رؤيتي للممثل المصري عادل إمام، نشرتها مجلة "إبداع" في عدد شهر يونيو 2022. وهي رؤية مجردة تماما، بعيدا عن الشخصنة وإعادة "المحاكمات". وبعيدا عن خلط الأمور إما عن مكر وخبث أو عن جهل واستسهال... وسيظل عادل إمام في الفن المصري "عصرا بأكمله" إلى أن يجد جديد. شكرا لمجلة إبداع في كل إصداراتها، وكل تجلياتها، وكل تطويراتها الجمالية والثقافية الجامعة، وخصوصا في إصدارها الأخير بفريق عملها الأكثر مرونة وتحررا وفهما وقربا من الواقع الاستثنائي الذي يفرِّخ لنا أجيالا من الكتاب والمثقفين مهما كانت هذه الاستثنائية الضاغطة بكل سلبياتها وإيجابياتها... كل سنة وعادل إمام بخير، وكل سنة وفريق إبداع بكل خير...
إن موضوع الرسالة الوطنية أو الرسالة الدينية أو الرسالة الأخلاقية للممثل، مجرد لغو فارغ يتم فرضه في المجتمعات أحادية النظرة، والتي تقع تحت وطأة نظم قيمية معينة وفي ظل منظومات اجتماعية تعاني من أمراض كثيرة مزمنة، توظف أشباه المثقفين وأشباه النقاد وأشباه الصحفيين لأداء أدوار معطوبة في تحميل الفنان العديد من هذه الرسالات الوطنية والدينية والأخلاقية. في نهاية المطاف، لا شيء اسمه فنان أو كاتب يحمل رسالة، ولا شيء أصلا اسمه رسالة وطنية أو دينية أو أخلاقية. هنا فقط كاتب وفنان يعرفان شغلهما وصنعتهما بحرفية وبجودة، ويعملان على نفسيهما من أجل تطوير مهاراتهما وأدواتهما وإمكانياتهما. هذا الكلام لا يتعارض إطلاقا مع أن يمتلك الفنان رؤية ما لمجتمعه أو يحمل ثقافة سياسية ما، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا. لكن موضوع الرسالة هذا، يأتي فيما بعد عبر تقييمات فنية وإبداعية لها سياقاتها وقوانينها وقواعدها، ويكون عادة عن مجمل أعمال الكاتب أو الفنان في سياقات وتحولات اجتماعية وتاريخية معينة. هذا التقييم يتعامل مع جوانب عدة بدون أن يطغى جانب على جانب أو أن يتم تدمير جانب لصالح جانب آخر.
إن رسالة الكاتب أو الفنان تتلخص في أن يقدم إنتاجه بحرفية وإتقان عبر أدوات يتقنها. أما تأويل الرسالة، فهذا أمر آخر. واستخدام هذه الرسالة وتوظيفها، فهو أمر ثالث! وبالتالي، فالمجتمعات المغلقة والمتأخرة والواقعة تحت وطأة القهر والاستبداد والقمع تخلط الأدوار وتستجيب لانحطاط وسائل الإعلام وأشباه النقاد والمفكرين والكتاب، وتُنَصِّب من نفسها قاضيا ومُنَفِّذا للحكم في آن معا. تلك المجتمعات المغلقة والغارقة في التعاليم الأخلاقية والدينية والسياسية تستريح لفكرة الرسالة الوطنية والدينية والأخلاقية للفن وللفنان وللمثقف بشكل عام، ولا تدري أن هذا هو الوجه الآخر المظلم أيضا لتدجين الفنان أو المثقف وقمعهما واستخدامهما في أغراض منافية للفن ولطاقاته المتنوعة الكامنة، بل ومن أجل تدجين الناس باسم الدين والوطن والأخلاق.
الفن ليس، ولن يكون أبدا، أداة للتغيير وتربية الشعوب، ولن يكون علاجا لأمراض المجتمعات وتهذيب وجدانها. هذه شعارات لا معنى ولا قيمة لها يتم استخدامها لتدجين الشعوب وتقليص مساحة الخيال الجمعي والفردي، والمزاوجة بين العلم والخرافة وبين الواقع والشعوذة. والعقل الذي يرى أن الفن وسيلة للتربية وأداة للاصطفاف الوطني وتوفير الأمن والاستقرار، هو نفس العقل الذي يرى ذلك في الدين وفي الشعارات الوطنية. وهو نفس العقل الماضوي- التبريري- اليقيني الذي يصور أوهامه على أنها الواقع، ويبرر الواقع بما هو مكتوب في الكتب. الفن ببساطة هو وسيلة للمتعة والتسلية وشحذ الخيال والإحساس ومحاورة الذائقة وطرح حلول واحتمالات متباينة للمواقف والأحداث. هو ببساطة، محاولات للنظر إلى العالم من زوايا مختلفة، ومن أبعاد ومستويات مختلفة، ومن مسافات وارتفاعات متباينة. هذه الوظائف المهمة هي التي تصنع الحرية الداخلية للفرد وتشيع التعددية والانحياز للجمال وقيم التسامح، وتعلي من قيمة الاختلاف، وتقف ضد اليقين والأحادية والشعوذة.
عادل إمام هو العصر، شاء من شاء وأبى من أبى. فعادل إمام شغل عصرا كاملا برؤسائه وزعمائه كلهم، وبتحولاته الاجتماعية من النقيض للنقيض، وبتحولاته الفنية الأكثر تناقضا، وقف على خشبات المسارح، وأمام الكاميرات، واقتحم كل بيت وغرفة وفندق ومقهى وعقل وقلب وإحساس. لا يمكن أن ينكر أحد أن لديه انتقادات فنية محددة على عالم الشخصيات اللي يؤديها الممثل عادل إمام، وبالذات تلك الشخصيات التي يرى البعض أنها ليست شخصيات ابن البلد بقدر ما هي شخصيات "السرسجي" على خلفية تحولات اجتماعية وسياسية وظهور منظومة قيم بديلة قادرة على تغطية العشوائيات والفوضى المقبلة. لقد نجح عادل إمام في أداء دور السرسجي الذي كانت الآلة الفنية السينمائية بكل مكوناتها تصر على أن يكون خفيف الظل و"حلنجي"، ثم نصاب على مؤمن على "بُرَم"، وقادر أيضا على الضرب بكل أنواعه: ضرب المنافسين والأعداء، وضرب المخدرات..
عادل إمام ممثل جيد استطاع أن يستثمر كل الفرص الممكنة للصعود إلى القمة والبقاء عليها لسنوات طويلة. لا شك أن قدراته الفنية التي تناسبت مع المرحلة ساعدته إلى جانب الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت تمر بها مصر. وذلك في تجربة فنية وحياتية واجتماعية قريبة من تجربة عبد الحليم حافظ في الغناء، حيث استطاع حليم أن يصعد إلى القمة ويبقى عليها لسنوات طويلة بفضل قدراته الفنية، وبفضل التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد..
عادل إمام أحد أوتار العمل الفني السينمائي التي يعزف عليها المخرج. وكون أن المجتمع المصري والكثير من نخبه لديهم مشاكل في مسألة النجومية وصفات النجم وتكوين النجم، أو مشاكل في صناعة السينما، ومشاكل في الأدوار الثانية والثالثة وبقية الأدوار المساعدة وهناك نظرة معينة لتلك الأدوار وفهم أعرج وعاطب لها ولقيمتها، فهذه ليست مشكلة عادل إمام إطلاقا. وكون أن هناك عدم توازن بين مساحات البطل الرئيسي ومساحات بقية المشاركين في العمل، فهذا ليس ذنب عادل إمام. وكون أن العديد من الأعمال الفنية تضم مشاهد ساخنة أو إيحاءات جنسية أو تحرش، فهذا ليس ذنب عادل إمام. إننا نتعامل مع أعمال فنية سينمائية.
إن مشاهد التحرش واللمس والتلاسن والكلمات والإيحاءات التي قام بها عادل إمام في العديد من أفلامه ليست قائمة بذاتها، ولكنها ضمن موضوع محدد شارك فيه الكاتب والسيناريست والمخرج والممثلات والممثلون الذين اشتركوا في العمل الفني. لم يقم عادل إمام، كعادل إمام، بالتحرش أو بالتحريض على التحرش، وإنما الشخصية التي يؤديها عادل إمام هي التي قامت بالتحرش بناء على السيناريو المكتوب وعلى توجيهات المخرج وبالاشتراك مع الممثلة التي تم التحرش بها ليس بصفتها الأصلية ولكن كإحدى شخصيات العمل الفني. وليس من الضروري أن يكون عادل إمام، أو أي ممثل آخر، مؤمن بالدور الذي يقوم به، أو مؤمن بطبيعة الشخصية التي يقوم بها، وإنما الفيصل هنا هو قدرته على تجسيد تلك الشخصية وفقا للسيناريو ولتعليمات المخرج ولقدرات الممثل. والعكس أيضا، أي ليس من الضروري أن يرفض الممثل شيئا في الحياة وفي الواقع، ويرفض القيام بهذا الدور كممثل اتساقا مع المبادئ والمثل العليا والأخلاق. إننا هنا نحول الفن إلى دين وأخلاق بالمعنى الديني الهش، ونحرم كافة المشاركين في العمل الفني من الخيال والإبداع. وبالتالي، من الصعب انتزاع مشاهد التحرش التي قام بها بطل الفيلم عادل إمام من سياقاتها، ولصقها بالمواطن عادل إمام الذي يعمل ممثلا، ثم اتهام المواطن عادل إمام بالتحرش والطعن في أخلاقه، ورفع الحماية القانونية والاجتماعية والأخلاقية عنه من أجل تعريضه لإجراءات قد تهدد حياته من جانب أفراد أو تنظيمات أو جهات ما..
كون عادل إمام يشارك في تمثيل أفلام ذات طبيعة معينة، ويرفض أن تشارك بناته في مثل تلك الأفلام أو يدلي بتصريحات تتناقض مع طبيعة عمله وطبيعة مشاركاته في أعمال معينة، فهذا ليس إطلاقا سببا في الطعن فيه أخلاقيا أو سياسا أو فنيا، ولدينا في نجيب محفوظ (نوبل 1988) مثال لهذا الأمر. بل ومن الممكن ذكر العديد من الممثلين والممثلات والكتاب والمبدعين الذين ساروا على هذا النسق. وفي الوقت نفسه يمكن أن نذكر شخصيات دينية ومشايخ وفنانين وكتاب ومبدعين آخرين فعلوا العكس تماما. ما يعني أننا إذا حاسبنا الفريق الأول، فيجب أن نسمح أيضا للذئاب المنفردة والقتلة والتنظيمات الإرهابية أن تحاسب الفريق الثاني، وأن نسمح لوسائل الإعلام والمؤسسات الأخرى بأن تبتز الممثلين والممثلات للقيام بأدوار أخرى لا تدخل في صميم عملهم وعملهن! وإذا كانت مشاهد التحرش والإيحاءات الجنسية لا تتوافق مع السياق الدرامي للعمل الفني فهذه ليست مشكلة عادل إمام كبطل للفيلم أو كمواطن، ولكنها عيب أو تقصير في العمل الفني. الغريب أن رأي قطاع واسع من المثقفين في كل من المواطن عادل إمام وبطل الأفلام عادل إمام يتفق مع رأي التنظيمات الإرهابية والمؤسسات الدينية والذئاب المنفردة التي تحرض على قتله كمفسد في الأرض! بل وترى أيضا أن الإفساد في الأرض يجب أن يطال كل الممثلين والممثلات.
عندما حصل الكاتب الروسي إيفان بونين على جائزة نوبل في الأدب عام 1933، كانت هناك حملة شعواء ضد الكاتب الروسي مكسيم جوركي. وكانت الاتهامات تحيط به من كل حدب وصوب، وكان ستالين يترصد له، وكان الـ "كي جي بي" قد قتل ابنه. كانت الآلة الشيوعية الستالينية الدنيئة تقهره من جانب، وكان مناهضو الدولة السوفيتية العرجاء يمزقونه من جانب آخر. يومها خرجت الشاعرة الروسية العظيمة مارينا تسفيتايفا، التي كانت تعاني الأمرين من الـ "كي جي بي" ومن الآلة السوفيتية الرديئة، لتتحدى الجميع وتعلنها على الملأ: "إن جوركي هو العصر"! تلك المرأة "الشريفة" بكل معاني الكلمة، والتي كانت على تناقض جوهري وجذري مع مكسيم جوركي، تحدت الجميع، أنصارها وأعداءها ومنافسيها والمخابرات والدولة، وقالت رأيها التاريخي في واحد من أعظم كتاب روسيا القيصرية والسوفيتية، مهما اختلفت حوله الآراء. هكذا هم الكبار. وهكذا هم أبناء المجتمعات الحريصة على قواها الناعمة واستخدامها كسماد من أجل تغذية الأرض وإصلاحها وتمهيدها لزراعة المزيد من الإبداع ورعايته ومواصلة العطاء والارتقاء.
إن عادل إمام عصر من التمثيل والأداء والفروسية والأحلام والابتسامات والدموع.