
اهلا-رجا اغبارية
احمد جبريل كان مختلفاً مميزاً جريئاً
وسار بعكس تيار التسوية فعلاً وقولاً شبه وحيد ...
هل سيتغير نهج " القيادة العامة" بعد رحيله ؟
من طباعنا نحن العرب الحميدة أو السيئة حسب حضارات أخرى، ان نحتفي بالميت او حتى الشهيد الذي لا نحتفي به بحياته رغم كل محاسنه وبطولاته، حيث تسيّرنا القاعدة " الحضارية " خاصتنا: " اذكروا محاسن موتاكم "، حتى يقولون لك:" هذا تأبين وخرجت عن الاصول "!
لم يبق قيادي او ناشط او فصيل او أي جهة معنية الا ونعى القائد الراحل احمد جبريل منذ نشر نبأ وفاته وتذكروا بحق ميزاته المنفردة بانه من أوائل من آمن بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين ومن أوائل من شارك في بناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – التنظيم الام، التي تمنينا لو انه بقي فيها ولم ينشق عنها.
لقد كان مبدئياً لا يساوم ولا يصالح الأعداء، لذلك رفض الانخراط في مسار التسوية الذي اعتمدته معظم فصائل منظمة التحرير التي كان فصيلة جزءاً منها وانه انحاز الى سوريا ومن ثم محور المقاومة دائماً، ونحن نضيف انه كان الفصيل المفضل لدى القائد الراحل المغدور من الاستعمار معمر القذافي في مراحل تاريخية معينة، كذلك اول من آمن بالعمليات الاستشهادية التي كان تنظيم الجبهة الشعبية – القيادة العامة اول من مارسها ...
كثيرة هي مناقب هذا القائد الفلسطيني العروبي والإسلامي التي لم تساعده بأن يحول تنظيمه الى فصيل حاسم ومحوري داخل المنظمة او خارجها، وربما بسبب هذه المناقب والمواقف بقي تنظيماً صغيراً ينحصر تأثيره في سوريا ولبنان وبشكل اقل بكثير في فلسطين المحتلة برمتها او في مخيمات اللجوء او الشتات ... فمن يسير عكس التيار العالمي الامبريالي المنافق يبقى وحيداً، وكم نتماثل معه لأنه هكذا، بل نتقاسم معه هذه الميزة وان اختلفت الاحداثيات والزمان والمكان.
الا ان احمد جبريل لم يستوحش طريق الحق لقلة سالكيه ، بسبب ايمانه ورهانه على المقاومة ودول وجبهات وفصائل المقاومة التي عانت منذ اتفاقات كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة من خلل كبير في ميزان القوى ، خاصة بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي واحتلال أفغانستان والعراق واسقاط ليبيا على يد الناتو والحرب الكونية الامبريالية على سوريا المحتدمة منذ عشر سنوات ونيف تحت عناوين استعمارية "عولمية" جديدة كاذبة ، عمادها " حقوق الانسان والديمقراطية" - التي احضروها لمشرقنا العربي الإسلامي على ظهر دبابات أمريكية وبدعوة ومشاركة من عملاء محليين لهذا الاستعمار البغيض ، عدو الشعوب الأول وناهب ثروات ارضها والمتحكم بمصائرها السياسية عبر ادواته ...
اختفى صوت احمد جبريل ونهجه وكل من آمن مثله، تماماً كما اختفى صوت الشيوعية العالمية بعد اختفاء الاتحاد السوفياتي وتماماً كما اختفى صوت القومية العربية المقاوم للاستعمار بعد الراحل العظيم جمال عبد الناصر وبعد صدام حسين والقذافي على كل اخطائهم المستحبة اليوم أكثر من الماضي ... الى ان وقف هذا الزحف الامبريالي على أبواب دمشق وبدأت عملية الانتعاش لهذا المحور والشعوب التواقة للانعتاق من الاستعمار الخارجي والداخلي (الأدوات).
لقد شاهدنا معظم حلقات احمد جبريل وهو يروي قصة الثورة الفلسطينية المعاصرة من وجهة نظره دون مواربة ودون مسايرة لاحد سواء من جماعة التسوية التي اوصلتنا لنكبة أوسلو( التي ما زال شعبنا يرزح تحت نيرها ونير خدام الاحتلال الصهيوني الفلسطينيين الذين اقامتهم إسرائيل وتشرف على حمايتهم حتى يتسنى لها استكمال بسط سيادتها القانونية والرسمية ، بعد الاستيلاء العسكري والاقتصادي وكل مفاصل حياة الشعب الفلسطيني وهو ما حاربه احمد جبريل ) ، او من أي جهة أخرى اعترضت على روايته ، بل وصل البعض الى حد تكذيبه ومهاجمته ، وكل الاحياء يذكرون هؤلاء جيداً ، منهم من يرثيه اليوم بأفضل الصفات والمزايا ويشير الى خصاله المذكورة أعلاه دون ان يرمش او يشير الى خطأ نهجه هو مقابل نهج احمد جبريل .
على المستوى الفكري تشخصت " القيادة العامة " واحمد جبريل بعدة دوائر فعل، أولها الدائرة الفلسطينية وثانيها القومية العربية وثالها الدائرة الإسلامية أكثر من أي شيء آخر. لم نجد تنظيرات خاصة عميقة للجبهة الشعبية القيادة العامة ، كذلك لم تكن الجبهة على قدرة تنظيمية ونضالية وترجمات جدية في تقديم خدمات مجتمعية على الأرض في صفوف الشعب الفلسطيني كي تحولها الى تنظيم حاسم ، بل بقيت قوتها مستمدة اكثر من اصطفافها المطلق مع سوريا بحلوها ومرها ، بمقاومتها وبعذاباتها وبتصديها لمحور التسوية ، حتى حوصرت كما سوريا ، فلسطينياً وعربياً اكثر من أي فصيل آخر لعب لعبة الاستقلالية او القرار الفلسطيني المستقل ، الذي لم يكن في الحقيقة مستقلاً الا عن سوريا ومحور المقاومة ومبيوعاً وتابعاً لمحور الامركة ومشتقاتها ....
منذ سنة ونيف ، تحديداً بعد مرض الراحل احمد جبريل واختفائه عملياً عن ساحة الجبهة وعن الفعل الوطني العام ، اصبحنا نلمس ليونة واحياناً ممالأة ومسايرة من القائد طلال ناجي وقيادة الجبهة الشعبية القيادة العامة باتجاه منظمة التحرير بقيادة محمود عباس ، دون تحقيق أي تقدم بالأهداف المعلنة للجبهة سواء على مستوى الوحدة الوطنية او تبني مشروع مقاومة الاحتلال او تحرير فلسطين ، مع ضبابية وعدم وضوح لأي موقف حول مسألة الدولة المزعومة في الضفة والقطاع التي بخّرها واقع الاحتلال الصهيوني والمتمسكين بنهج أوسلو من جماعة التنسيق الأمني المقدس مع العدو ...
كلنا أمل بأن تبقى الجبهة على نهج احمد جبريل سواء اختلفنا معه او ايدناه، فقد امسك بالحلقة المركزية وميثاق المنظمة الأول كدستور ناظم لثورة الشعب الفلسطيني المعاصرة ودفع الغالي والرخيص من اجل تنفيذه سواء على المستوى الشخصي او العام ..
شعبك يودعك بما يليق بك، حتى من الخصوم السياسيين الذين يخضعون لحقائق تشرّف الشعب الفلسطيني سطرتها انت وتنظيمك ... فإلى جناة الخلد يا أبا جهاد ... نعدك ان نبقى على نهج تحرير كل حقوق شعبنا الفلسطيني ووطنه من البحر الى النهر ...
كلمة الراية الاسبوعية