
















اهلا- مها سلامة - اصول الدين والحضارات فلسطين وإسرائيل… ماذا تخبرنا النقوش التاريخية عن أول ظهور للاسمين؟
اقراوه للاخير اخر جملة مهمة !!
ملاحظة ( ورود ذكر مملكة اسرائيل لا يعطي اي شرعية للكيان الحالي لانها مملكة قد تكون قد نشات قبل ثلاث الاف سنة وانتهت منذ زمن طويل ولم يدم حكمها الا سنوات قليلة )
حسنًا، دعونا نتتبع أول ذكر تاريخي لاسمي «فلسطين» و«إسرائيل»، وماذا كان يعني كل منهما عند ظهوره، وكيف تطورت دلالتهما عبر الزمن.
ولكي تكون المقارنة دقيقة، علينا أن نفرّق بين ظهور الاسم بوصفه اسم شعب، وظهوره بوصفه اسم منطقة جغرافية أو كيان سياسي.
أولًا: «فلسطين»
حوالي 1175 ق.م:
ورد اسم Peleset في نقوش رمسيس الثالث بمدينة هابو في مصر، وكان يشير إلى جماعة بشرية عُرفت لاحقًا باسم الفلستيين، وليس إلى منطقة جغرافية تحمل اسم فلسطين بحدودها المعروفة لاحقًا.
حوالي 800 ق.م:
وردت أسماء مثل Palashtu وPilistu في السجلات الآشورية، للإشارة إلى منطقة فلستيا في الجزء الساحلي الجنوبي من بلاد الشام.
وهنا نلاحظ انتقال الاسم من دلالته على جماعة بشرية إلى استخدامه بوصفه اسمًا لمنطقة جغرافية محددة.
القرن الخامس ق.م:
استخدم المؤرخ اليوناني هيرودوت اسم Palaistinē للإشارة إلى منطقة جغرافية في جنوب بلاد الشام، تمتد باتجاه مصر.
وهذا من أقدم الاستخدامات الواضحة للاسم بصيغته اليونانية، بدلالة جغرافية أوسع من المنطقة الساحلية التي ارتبطت بالفلستيين.
الاستنتاج:
إن الاسم الذي تطور لاحقًا إلى «فلسطين» له جذور موثقة منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لكنه بدأ بوصفه اسم جماعة بشرية، ثم استُخدم للدلالة على منطقة ساحلية، قبل أن تتسع دلالته الجغرافية في المصادر اليونانية.
ثانيًا: «إسرائيل»
لنأخذ هذا الاسم بشيء من التفصيل حتى نفهم تطور معناه تاريخيًا…
حوالي 1208 ق.م: لوحة مرنبتاح المصرية
يُعد هذا النقش أقدم ذكر مؤكّد معروف حتى الآن لاسم «إسرائيل» خارج النصوص التوراتية.
وقد ورد فيه:
«إسرائيل خُرّبت، ولم يعد لها نسل».
وبحسب قراءة علماء المصريات للنقش، فإن الكلمة وردت بوصفها اسم جماعة بشرية، وليس اسم مدينة أو دولة محددة.
وهذا يعني أن وجود اسم «إسرائيل» في تلك المرحلة لا يثبت بحد ذاته وجود مملكة سياسية تحمل الاسم نفسه.
وهنا يبدأ السؤال…
متى بدأ يظهر اسم «إسرائيل» بوصفه اسم كيان سياسي أو مملكة في النقوش التاريخية؟
عام 853 ق.م: نقش كورخ الآشوري
ورد في نقش الملك الآشوري شلمنصر الثالث ذكر آخاب، الذي يُعرّف عادةً في الدراسات التاريخية بأنه آخاب الإسرائيلي، ضمن تحالف من الملوك الذين واجهوا الجيش الآشوري في معركة قرقر.
وهذا يشير إلى وجود قوة سياسية وعسكرية مرتبطة بإسرائيل في ذلك الوقت.
لكن النقش لا يوضح لنا كيف نشأت هذه المملكة، ولا متى بدأ تكوّنها السياسي.
منتصف القرن التاسع ق.م: مسلة ميشع، ملك مؤاب
هنا نجد نصًا أكثر وضوحًا، إذ ورد اسم إسرائيل صراحةً بوصفها مملكة يحكمها ملك يُدعى عمري.
وجاء في النقش:
«أما عمري، ملك إسرائيل، فقد أخضع مؤاب أيامًا كثيرة، لأن كموش كان غاضبًا على أرضه».
وهذا النقش مهم جدًا، لأنه لا يكتفي بذكر اسم إسرائيل، بل يربطه بملك وبسيطرة سياسية وعسكرية على أراضٍ في مؤاب.
إذن، نحن أمام توثيق لوجود مملكة تحمل اسم إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد، لكن مهم التفرقة بين كونه توثيق تاريخي على ارض الواقع ام توثيق ديني رمزي وعلى الاغلب رمزي لانه كان يتم ربطه مع الالهة!!!
وللعلم، لم يكن هذا التوثيق الوحيد، فقد ظهرت إشارات أخرى إلى ملوك إسرائيل في نقوش آرامية وآشورية لاحقة، كما استخدم الآشوريون تسمية «بيت عمري» للإشارة إلى المملكة.
عام 722 ق.م تقريبًا: سقوط مملكة إسرائيل
انتهى وجود مملكة إسرائيل الشمالية ككيان سياسي مستقل بعد الغزو الآشوري وسقوط عاصمتها السامرة، في أحداث تُؤرّخ عادةً إلى نحو 722–720 ق.م.
ماذا نستنتج من هذا التسلسل التاريخي؟
إذا اعتمدنا النقوش الأثرية بوصفها مصادر تاريخية، فيمكننا تسجيل الملاحظات التالية:
أولًا:
إن أقدم ذكر مؤكّد لاسم «إسرائيل» يعود إلى نحو 1208 ق.م، وهو أقدم من ذكر Peleset في نقوش رمسيس الثالث بنحو ثلاثة عقود.
لكن كلا الاسمين ورد في تلك المرحلة بوصفه اسم جماعة بشرية، وليس اسم دولة بالمعنى السياسي.
ثانيًا:
إن أقدم الأدلة الخارجية الواضحة على وجود مملكة تحمل اسم إسرائيل تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، أي قبل استخدام هيرودوت اسم فلسطين بدلالته الجغرافية الواسعة بعدة قرون
أما الاسم الآشوري Palashtu فقد كان مستخدمًا للإشارة إلى منطقة فلستيا الساحلية نحو 800 ق.م.
ثالثًا:
وجود مملكة إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد تؤيده نقوش متعددة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن جميع تفاصيل نشأتها وتاريخها الواردة في الروايات التوراتية مثبتة أثريًا.
فهناك فرق كبير بين إثبات وجود مملكة تاريخية، وبين إثبات صحة جميع الروايات الدينية المرتبطة بها.
وهنا نصل إلى التساؤل الذي يشغلني…
ما زلت أعتقد أن علينا قراءة هذه المسلات والنقوش بشيء من الحذر.
فهي ليست سجلات تاريخية محايدة بالمعنى الحديث، بل نصوص ملكية كُتبت غالبًا لتمجيد الملوك، وتبرير انتصاراتهم، وإظهار رضا الآلهة عنهم.
ومن الواضح أن الرمزية الدينية كانت حاضرة بقوة في هذه النصوص.
فمسلة ميشع مثلًا لا تتحدث عن صراع سياسي وعسكري فحسب، بل تفسّر الأحداث من خلال غضب الإله كموش ورضاه.
لكن هل يعني ذلك أن أسماء الشعوب والممالك الواردة فيها كانت مجرد رموز دينية؟
ليس بالضرورة.
إن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: إلى أي مدى نستطيع الفصل بين الوقائع السياسية الحقيقية وبين الصياغات الدينية والدعائية التي استخدمها الملوك لتقديم تلك الوقائع؟
وهل يمكن أن تكون بعض المفاهيم والهويات التي وردت في هذه النقوش قد اكتسبت لاحقًا أبعادًا دينية وتاريخية أوسع، خصوصًا بعد إعادة صياغة الروايات القديمة وتدوينها في النصوص المقدسة؟
وهنا أعود إلى فرضيتي الشخصية…
ربما لم تكن جميع الدلالات التي حملها اسم «إسرائيل» في النصوص الدينية اللاحقة مطابقة للدلالات التي حملها في أقدم النقوش التاريخية.
وربما ساهمت التحولات السياسية والدينية اللاحقة، بما فيها المرحلة الفارسية، في إعادة تشكيل الرواية التاريخية والهوية الدينية المرتبطة بهذا الاسم.
لكن ذلك يختلف عن القول إن الفرس أنشأوا مملكة إسرائيل القديمة، فهذه المملكة موثقة قبل العهد الفارسي بقرون.
ويبقى السؤال مفتوحًا للنقاش:
هل نستطيع الاعتماد على النقوش الملكية القديمة لإعادة بناء التاريخ كما حدث فعلًا؟ أم أننا نقرأ تاريخًا أعادت السلطات السياسية والدينية صياغته وفق رؤيتها ومصالحها؟
وأين تنتهي الحقيقة التاريخية، وأين تبدأ الرمزية الدينية؟
هناك فرق جوهري كبير بين الاسمين اسم فلسطين ضل متداولا وموثقا في كافة الكتب التاريخية القديمة منذ عهد الرومان حتى يومنا هذا ومسجل في كافة الخرائط القديمة في حين اسرائيل لم ترد الا ببعض المسلات المحدودة جدا ولم يرد ذكرها في توثيقات وكتب تاريخية اخرى .
ما رأيكم؟