
















اهلا- د.ناضل حسنين مجرد خربشة..
هناك مرحلة من الحزن لا يعود فيها الإنسان راغبًا في الشكوى لأحد، ولا في طلب المساعدة من أحد. لا لأنه لم يعد يتألم، بل لأنه تعب من شرح ألمه، ومن محاولة العثور على كلمات تليق بما يجري في داخله. يصل إلى حالة من الجمود والصمت، فينسحب من العالم بهدوء، لا يعنيه شيء، ولا يرغب في شيء، وكأن الحياة من حوله تواصل سيرها، فيما هو يقف في مكان لا يعرف كيف يغادره.
يكون حزينًا، نعم، لكنه يجد في عزلته راحة غريبة. لا يعود الصمت فراغًا يخيفه، بل يصبح مكانًا يستطيع أن يسكن فيه من دون أن يسأله أحدٌ عن سبب صمته، أو أن يتصنع ليبدو بخير. ففي بعض مراحل الحزن، لا يحتاج الإنسان إلى من يواسيه بقدر ما يحتاج إلى أن يبقى قليلًا مع نفسه، بعيدًا عن الضجيج، وعن تلك المحاولات المتكررة لإعادته إلى صورة الإنسان الذي كانه قبل أن ينكسر شيء في داخله.
وربما في تلك العزلة، حين تضيق المسافة بين الإنسان ونفسه، يجد القلم أقرب إليه من كل شيء. لا يطلب منه أن يرتب مشاعره، ولا أن ينتقي منها ما يصلح للقول. يترك له أن يكون متناقضًا، ضعيفًا، غاضبًا، حزينًا، أو حتى عاجزًا عن تسمية ما يشعر به. فالقلم لا يقاطعه، ولا يستعجل نهايته، ولا ينظر إليه بعين الشفقة. يكفي أن يضع الإنسان يده عليه، حتى يبدأ شيء ما في داخله بالتحرك.
ومع الوقت، قد يكتشف أن الكتابة ليست دائمًا محاولة للعثور على حل، ولا بحثًا عن مخرج من الحزن. أحيانًا تكون مجرد طريقة للجلوس إلى جانبه، والنظر إليه من دون خوف. أن يمنح الإنسان ألمه شكلًا، حتى لو لم يستطع تغييره، وأن يترك على الورق أثرًا لما عجز عن حمله وحده.
وهكذا، يصبح القلم رفيقه الوحيد، لا لأنه يملك إجابات عن كل شيء، بل لأنه يتيح له أن يقول كل شيء. وما لا يستطيع أن يخبر به أحدًا، يستطيع أن يكتبه. وما لا يجد له مكانًا في الكلام، يجد له مكانًا على الورق. وربما لهذا، حين ينسحب الإنسان من العالم، لا يكون قد أغلق كل الأبواب، فقد يترك بابًا صغيرًا مفتوحًا، يقوده إلى نفسه، ويمسك مفتاحه قلم.