
















اهلا انتهت صلاحيتهم... فهل نجدد لهم؟
بقلم: المهندس غسان جابر
القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
هناك سؤال واحد يجب أن يسبق كل التحالفات، وكل المؤتمرات الصحفية، وكل الصور الجماعية، وكل الوعود الانتخابية:
هل الانتخابات فرصة لاختيار الأفضل... أم فرصة لإعادة تدوير من استنفدوا فرصهم؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
أما كل ما عداه، فليس سوى تفاصيل.
لسنوات طويلة، اعتدنا أن نُحمّل الاحتلال وحده مسؤولية أزماتنا، وأن نُحمّل الانقسام مسؤولية تعثر مشروعنا الوطني، وأن نُحمّل المال السياسي مسؤولية تشويه الانتخابات. وكل ذلك صحيح، لكنه ليس الحقيقة كاملة.
الحقيقة التي نخشى الاعتراف بها هي أننا ساهمنا، بصمتنا أحيانًا، وبأصواتنا أحيانًا أخرى، في إعادة إنتاج المشهد السياسي نفسه.
نغيّر أسماء القوائم...
لكننا لا نغيّر طريقة التفكير.
نغيّر الشعارات...
لكننا لا نغيّر المعايير.
ونستبدل صور المرشحين...
لكننا نعيد الوجوه ذاتها التي أُتيحت لها فرص كثيرة، ولم تُحدث التغيير الذي وعدت به.
وهنا تكمن المشكلة.
فالسياسة ليست وظيفة دائمة.
وليست معاشًا تقاعديًا.
وليست إرثًا يُورّث، ولا امتيازًا يُجدَّد تلقائيًا.
إنها مسؤولية تُمنح، وتُسحب، وتُحاسَب.
في كل دول العالم، من يفشل في إدارة مؤسسة يخضع للتقييم.
ومن يعجز عن تحقيق النتائج يُستبدل.
إلا في حياتنا السياسية، حيث يتحول الفشل أحيانًا إلى مؤهل لطلب فرصة جديدة.
يخرج من المشهد لسنوات...
ثم يعود في موسم الانتخابات بوجه جديد، وتحالف جديد، وشعار جديد...
وكأن الزمن لم يمر، وكأن الناس فقدت ذاكرتها.
المؤلم أن بعض التحالفات التي تُبنى اليوم لا يجمعها مشروع سياسي، ولا رؤية تشريعية، ولا خطة اقتصادية، بل يجمعها شيء واحد:
الرغبة في الوصول إلى المجلس.
يجلسون ساعات طويلة ليتفقوا على ترتيب الأسماء...
لكنهم لا يجلسون ساعة واحدة ليتفقوا على ترتيب أولويات الوطن.
يعرفون من سيكون الأول في القائمة...
لكنهم لا يعرفون ما هو أول قانون سيقدمونه للمواطن.
يتفاوضون على المقاعد...
ولا يتفاوضون على الحلول.
وهنا أسأل سؤالًا بسيطًا، لكنه مؤلم:
كم قائمة انتخابية أعلنت برنامجًا تشريعيًا واضحًا يستطيع المواطن أن يحاسبها عليه بعد أربع سنوات؟
وكم مرشحًا نشر كشف حساب يوضح للناس ماذا أنجز عندما كانت لديه فرصة؟
إذا كنت قد شغلت منصبًا عامًا...
فقدّم كشف حساب.
إذا كنت نائبًا سابقًا...
فقدّم كشف حساب.
إذا كنت جزءًا من القرار...
فقدّم كشف حساب.
لا تطلب من الناس أن يثقوا بك لأن اسمك معروف.
ولا لأن تاريخك طويل.
ولا لأنك بارع في الخطابة.
الثقة لا تُمنح للأسماء...
الثقة تُمنح للإنجاز.
وهنا أصل إلى بيت القصيد.
المشكلة ليست في المرشح وحده.
المشكلة في الناخب أيضًا.
فالسياسي الذي لا يخاف الانتخابات، لا يفعل ذلك لأنه واثق من إنجازاته دائمًا، بل لأنه يراهن على أن كثيرًا من الناخبين سيصوتون للاسم، أو التنظيم، أو العائلة، قبل أن يصوتوا للبرنامج.
ولهذا أقول لكل ناخب:
لا تشكُ غدًا من مجلسٍ أنت من صنعه.
ولا تلعن الفشل إذا كنت قد منحته فرصة جديدة.
ولا تطالب بالتغيير إذا كنت تخشى تغيير من اعتدت انتخابهم.
إن الانتخابات ليست مناسبة اجتماعية، وليست اختبارًا للولاءات، وليست استفتاءً على الماضي.
إنها يوم المحاسبة.
ويوم المحاسبة لا مكان فيه للمجاملات.
رسالتي ليست ضد شخص، ولا ضد فصيل، ولا ضد قائمة.
رسالتي ضد ثقافة سياسية خطيرة اسمها إعادة تدوير التجارب التي استنفدت فرصها.
فلا توجد قيادة فوق المحاسبة.
ولا يوجد اسم أكبر من فلسطين.
ولا يوجد تاريخ يمنح صاحبه حقًا دائمًا في تمثيل الناس.
إذا أردنا مجلسًا مختلفًا...
فلن نصل إليه بالأدوات نفسها.
وإذا أردنا مستقبلًا مختلفًا...
فلن نبنيه بالعقلية نفسها.
لقد آن الأوان أن يصبح السؤال الأول الذي يواجه كل مرشح:
ماذا أنجزت؟
وإذا لم تكن قد توليت مسؤولية من قبل:
ما مشروعك؟ وكيف سنحاسبك إذا أخلفت وعدك؟
عندها فقط، سيبدأ السياسي باحترام عقل الناخب.
وعندها فقط، سيصبح للمجلس التشريعي معنى يتجاوز المقاعد والألقاب.
أما إذا بقينا نعيد انتخاب التجارب التي استنفدت فرصها، ثم ننتظر نتائج مختلفة، فإننا لا نمارس الديمقراطية... بل نكرر الخطأ نفسه في كل دورة انتخابية.
وفي الختام...
لا أطلب منكم أن تنتخبوا هذا أو ترفضوا ذاك.
أطلب شيئًا واحدًا فقط:
لا تمنحوا أحدًا فرصة جديدة قبل أن تسألوه ماذا فعل بالفرصة السابقة.
فالأوطان لا تنهض بكثرة الخطب...
ولا بطول التاريخ...
ولا بكثرة الصور.
الأوطان تنهض عندما يدرك كل مسؤول أن المقعد ليس ملكًا له، بل أمانة يمنحها الشعب... ويستردها الشعب.
ومن اليوم، يجب أن تصبح هذه القاعدة الوطنية التي لا استثناء فيها:
«"لا تُجددوا الثقة لتجربة استنفدت فرصها... فجميع الأوطان تتقدم بالتجديد، وتتراجع بإعادة تدوير الفشل."»
«"ومن يخشى تجديد الوجوه... سيبقى يكتب الشكوى نفسها بعد كل انتخابات."»
م. غسان جابر