
















اهلا استحقاقات العمل السياسي والحزبي (1)
الحديث عن العمل السياسي وجدواه، وعن العمل الحزبي، يبرز أكثر كلما اقتربت الحملات الانتخابية، وبدء الحديث عن تمثيل الأحزاب وقوتها وما شابه ذلك. بينما المطلوب هو أكثر من ذلك؛ المطلوب هو الحديث عن دور الأحزاب على مدار العام، وخاصة عندما لا تكون هناك معارك انتخابية، بل أحداث سياسية عميقة وقاسية مثل الحروب، وموقف الأحزاب منها، وما تفعله حيالها
عادل عامر
.07.2026 .10
تزداد في الآونة الأخيرة، ونحن على أعتاب معركة انتخابية مصيرية، الأحاديث والنقاشات حول العمل السياسي وأهميته ومدى تأثيره على حياتنا ومصيرنا، وفي الوقت ذاته يجري الحديث عن الأحزاب ودورها وأهدافها.
وللأسف، فإن هذا الحديث عن العمل السياسي وجدواه، وعن العمل الحزبي، يبرز أكثر كلما اقتربت الحملات الانتخابية، وبدء الحديث عن تمثيل الأحزاب وقوتها وما شابه ذلك. بينما المطلوب هو أكثر من ذلك؛ المطلوب هو الحديث عن دور الأحزاب على مدار العام، وخاصة عندما لا تكون هناك معارك انتخابية، بل أحداث سياسية عميقة وقاسية مثل الحروب، وموقف الأحزاب منها، وما تفعله حيالها، ودورها في تقديم الإجابات السياسية الصحيحة في إطار المصلحة الوطنية والإنسانية.
نسوق هذا الكلام لكي نضع الأمور في نصابها الصحيح، وهو مدى عمق العمل السياسي في مجتمعنا، ومدى وصوله إلى كافة شرائح المجتمع، ومدى تجاوب هذه الشرائح وتفاعلها معه، ومدى قدرة الأحزاب على صياغة الرأي العام والتأثير عليه، وعدم حصر الأمر في عملية تشكيل القوائم الانتخابية، رغم أهميتها، وخاصة عندما تتم من خلال عملية ديمقراطية داخلية عميقة.
ونحن في الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، وفي خضم الاستعدادات للمعركة الانتخابية المصيرية خلال الأشهر القليلة القادمة، نقوم بعملية تقييم عميقة لعملنا السياسي والجماهيري خلال السنوات الأربع الماضية، وهي سنوات كانت حافلة بالنشاط السياسي والأحداث المصيرية التي شكّلت وجه بلادنا والمنطقة في المرحلة الحالية، وربما للسنوات القادمة.
لأننا نرى أن الانتخابات ليست فقط تجديدًا للثقة، بل فرصة عميقة لمخاطبة الجمهور الواسع وتقديم جرد حساب: ماذا فعلنا؟ ماذا قدمنا لشعبنا؟ ما هي مواقفنا في القضايا المصيرية؟ والسؤال الأهم: كيف حافظنا على شعبنا وجماهيرنا؟ وكيف صُنّا هويته الوطنية والسياسية؟
وحين ننظر إلى الماضي البعيد وإلى السنوات الأربع الماضية، فإننا ننظر إليها بنظرة ناقدة، فاحصة ومتحزبة في الوقت نفسه. هذه النظرة قد تبدو للوهلة الأولى نوعًا من التعصب الأعمى، لكنها في الحقيقة دعوة إلى رفع قيمة الفكر والانتماء الفكري والسياسي، وتحيز لفكرة الانتظام السياسي الواعي، وفي الوقت نفسه دعوة إلى فحص قيم حزبنا ودوره في الحاضر المعاش، وأين يمكن التطور والتحديث في الفكر والسياسة والأدوات.
وحين ندعو إلى تقييم عمل الأحزاب، فإننا نقصد العمل المباشر لكوادر هذه الأحزاب، لا من خلال الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني المرتبطة بهذه الأحزاب أو القريبة منها. وهذا عامل مهم، لأنه من المفترض أن تكون الأحزاب على استعداد للدفاع عن مواقفها وقراراتها بعيدًا عن أي مؤثرات، ومتحررة من أي ارتباطات وأجندات خارجية.
بدأت هذه الدورة البرلمانية بالانقلاب القضائي الذي أعلنته الحكومة الفاشية برئاسة نتنياهو، والذي يهدف، أساسًا، إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا ومنصب المستشار القضائي للحكومة، وترجيح كفة الهيئة التنفيذية، أي الحكومة، وإحكام سيطرتها المطلقة على مقاليد الحكم، بحيث تتحرر من بعض القيود التي كانت المحكمة العليا تفرضها عليها.
وقد خضنا نقاشًا عميقًا في مؤسسات الحزب والجبهة حول هذا الموضوع، تمحور حول موقفنا من هذا الانقلاب، ودورنا كحزب وجبهة نمثل شرائح واسعة من المجتمع، عربًا ويهودًا. ولم يكن تقييمنا محصورًا في المجتمع الإسرائيلي ومدى تأثير هذا الانقلاب عليه، بل تعاملنا مع جوهر النظام الديمقراطي، وهل يستقيم أن يكون هناك نظام يدّعي الديمقراطية وهو يمارس الاحتلال على شعب آخر.
وباعتقادي، فإن هذا هو السؤال المحوري، أي إننا بقدر ما نساهم في تحرير المجتمع الإسرائيلي من الاحتلال والقمع والقتل وسلب الشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة، فإننا نساهم في تقوية الديمقراطية وتعميقها.
ولهذا قررنا المشاركة في التظاهرات ضد الانقلاب القضائي ضمن كتلة أسميناها "الكتلة ضد الاحتلال"، ورفعنا شعار "لا ديمقراطية مع الاحتلال".
وباعتقادي، فإن هذا النشاط والنضال، الذي استمر طويلًا، استطاع فرض هذه المقولة وهذا الموقف والتأثير العميق والجوهري في واحدة من أكثر المظاهرات حسمًا في تطور المجتمع الإسرائيلي، وفي بلورة مواقفه من الاحتلال ومن مستقبل نظامه السياسي.
لكن ما جرى في السابع من أكتوبر 2023 أوقف هذه المظاهرات، لتبدأ مرحلة سياسية ومصيرية جديدة.
وكان موقفنا واضحًا في كل ما يتعلق بالجرائم التي ارتكبت في السابع من أكتوبر بحق المدنيين، ولم نتردد في إدانتها من منطلق أن مصداقية النضال الفلسطيني لا تسمح بالمساس بحياة المدنيين.
ومن ناحية ثانية، رأينا أن الأمور تتجه نحو ارتكاب مجازر بحق الشعب الفلسطيني، ولم نتردد، كحزب شيوعي وجبهة، في التظاهر، عربًا ويهودًا، في قلب تل أبيب يوم 18/11/2023 ضد حرب الإبادة في غزة، وإدانة كافة الجرائم بحق المدنيين.
ومنذ تلك اللحظة بدأت مسيرة طويلة من الكفاح والنضال ضد هذه الحرب، شملت كافة أنحاء البلاد، بإصرار واعٍ على المحافظة على حقنا الديمقراطي في التعبير عن موقفنا المعارض للحرب. وفي الوقت نفسه، كنا على وعي تام بأن هذه الحكومة الفاشية تضمر الشر لجماهيرنا العربية، وأنها لن تتوانى عن ارتكاب الجرائم بحق جماهيرنا أيضًا. لكننا أصررنا على ممارسة حقنا في التظاهر، رغم قيام السلطة بمنع عقد مجلس الجبهة واعتقال رفاقنا إلى جانب العديد من أبناء شعبنا.
ومن منطلق هذه الرؤية، بأن علينا أن نحافظ على جماهيرنا وأن نحافظ على حقنا في التعبير عن رأينا، ومن منطلق معارضة حرب الإبادة، وأن هذه المعارضة يجب أن تكون معارضة ونضالًا يهوديًا عربيًا مشتركًا، عملنا على إقامة "شراكة السلام"، كإطار يضم كل من هو مستعد لمعارضة الحرب. وقد أثبتت هذه الشراكة مصداقيتها في كل الحراك المعادي للحرب.
لكن دورنا كحزب شيوعي وجبهة ديمقراطية لم يقتصر على الساحة المحلية. فبفضل المكانة العالية التي يتمتع بها حزبنا بين الأحزاب الشيوعية والاشتراكية واليسارية في العالم، كان لنا دور في تشكيل ضغط شعبي وجماهيري كبير في العالم، وفي أوروبا تحديدًا، لمعارضة هذه الحرب. وهذا عامل كان ولا يزال حاسمًا في سبيل تحقيق السلام ووقف الحرب وإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني.
وفي عودة إلى الساحة المحلية ونشاط رفاقنا ومؤيدينا، وبعد أن تبيّنت ملامح قسوة ووحشية حرب الإبادة على غزة، قام العديد من كوادرنا بإطلاق حملة إغاثة للأهل في غزة، وتوفير المواد الغذائية الأساسية للناس العزّل في القطاع. إن عمق تجاوب أهلنا في قرانا ومدننا مع هذه الحملة، التي جرت على مراحل عديدة ولفترات طويلة، يؤكد الثقة العالية التي تكنّها جماهير شعبنا لكوادرنا ورفاقنا.
هذا الاستعراض السريع والمركّز لعمل كوادر حزبنا وجبهتنا خلال الفترة الماضية، يأتي من أجل التأكيد أن العمل السياسي، وبالأساس الشعبي والجماهيري، هو العمل المؤثر حقًا، وأن التحزب في هذا الجانب أمر شرعي ومطلوب. وعندما تأتي الأحزاب المختلفة لتطلب الثقة، عليها أن تأتي برصيدها هي من العمل السياسي الشعبي والجماهيري والبرلماني، لكي تكون مطالبها هي أيضًا شرعية ولها مصداقية شعبية وجماهيرية. (يتبع حلقة ثانية) See less