X أغلق
X أغلق
الطقس
° - °
ترشيحا
° - °
معليا
° - °
بئر السبع
° - °
رام الله
° - °
عكا
° - °
يافا
° - °
القدس
° - °
حيفا
° - °
الناصرة
اسعار العملات
دولار امريكي
3.445
جنيه استرليني
4.1949
ين ياباني 100
2.5079
اليورو
3.6240
دولار استرالي
2.3021
دولار كندي
2.5184
كرون دينيماركي
0.4872
كرون نرويجي
0.3437
راوند افريقي
0.1994
كرون سويدي
0.3316
فرنك سويسري
3.6639
دينار اردني
4.8531
ليرة لبناني 10
0.0228
جنيه مصري
0.1398
اعلانات يد ثانية
تصفح مجلدات وكتب
الاستفتاء
مواقع صديقة

نائلة لبس: الذاكرة الشفوية بما تختزنه من أغانٍ وأهازيج وطقوس ومرويات

admin - 2026-06-28 15:14:51
facebook_link

اهلا

بقلم: رانية مرجية

حين يُذكر التراث الفلسطيني، يتجه الذهن غالبًا إلى التطريز، أو الدبكة، أو الحكاية الشعبية، غير أن أحد أهم مكونات هذا التراث ظل طويلًا خارج دائرة الاهتمام المنهجي، وهو الذاكرة الشفوية بما تختزنه من أغانٍ وأهازيج وطقوس ومرويات تشكل سجلًا حيًا للحياة الاجتماعية الفلسطينية. وفي هذا الحقل تحديدًا يبرز مشروع الباحثة الفلسطينية نائلة عزام لبس بوصفه تجربة جادة في توثيق جانب أساسي من الهوية الثقافية الفلسطينية، انطلاقًا من قناعة بأن التراث الشفوي ليس مادة فولكلورية للحنين، بل مصدر معرفي يوازي الوثيقة المكتوبة في أهميته.

تكمن أهمية تجربة نائلة لبس في أنها لم تتعامل مع الأغنية الشعبية باعتبارها نصًا غنائيًا معزولًا، وإنما قرأتها في سياقها الاجتماعي والثقافي. فالأغنية، في أعمالها، ليست مجرد كلمات ولحن، بل تعبير عن منظومة من القيم والعلاقات والعادات، وهي مرآة تعكس بنية المجتمع الفلسطيني وتحولاته. ومن هنا جاء اهتمامها الخاص بالأغنية النسائية، لأنها أدركت أن المرأة الفلسطينية كانت، عبر الأجيال، الحامل الأساسي لهذا التراث، والوسيط الذي انتقلت من خلاله الذاكرة من جيل إلى آخر.

لقد كرست نائلة لبس سنوات طويلة للعمل الميداني، متنقلة بين النساء والراويات، تجمع الأغاني والأهازيج وطقوس الأعراس والأمومة والطفولة، معتمدة على الرواية الشفوية بوصفها مصدرًا أصيلًا للمعرفة. ولم يكن هذا الجهد مجرد جمع للنصوص، بل محاولة لفهم البيئة التي أنتجتها، وربطها بوظيفتها الاجتماعية والثقافية، وهو ما منح أعمالها قيمة تتجاوز التوثيق إلى التأويل الثقافي.

وتبرز هذه الرؤية في مؤلفاتها، ومنها «الأغاني الفولكلورية النسائية»، و**«أغانينا النصراوية»، و«يا ستي يا ستي»، و«لبستك الأبيض»**، حيث تتداخل المادة الغنائية مع الشرح التاريخي والاجتماعي، فتتحول الأغنية إلى مدخل لفهم المجتمع الفلسطيني، لا إلى مادة تراثية معزولة. كما أن كتاب «لبستك الأبيض» يكتسب أهمية خاصة لأنه يوثق طقوس الأعراس الفلسطينية من خلال النص والصورة، بما يحفظ جانبًا من الذاكرة البصرية إلى جانب الذاكرة الشفوية.

ولا يمكن فصل هذا المشروع عن تكوين نائلة لبس العلمي والمهني؛ فقد عملت معلمة للموسيقى سنوات طويلة، الأمر الذي منحها حسًا موسيقيًا مكّنها من التعامل مع الأغنية الشعبية بوصفها بنية ثقافية متكاملة، لا مجرد نص لغوي. وهذا ما يفسر حرصها على الحفاظ على اللحن والإيقاع والسياق، إلى جانب الكلمات نفسها.

إن قيمة هذا المشروع تتضاعف اليوم في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، وتراجع حضور الرواية الشفوية، ورحيل أعداد متزايدة من حَمَلة الذاكرة الشعبية. فكل راوية ترحل تحمل معها جزءًا من تاريخ المجتمع، ما لم يجد من يوثقه ويحفظه. ومن هنا يصبح عمل الباحثين في هذا المجال ضرورة ثقافية، لا مجرد اهتمام أكاديمي.

غير أن أهمية تجربة نائلة لبس لا تكمن في حفظ المادة التراثية وحدها، بل في إعادة الاعتبار إلى الذاكرة الشفوية بوصفها مصدرًا للمعرفة التاريخية والاجتماعية. فهي تذكرنا بأن التاريخ لا يُكتب في الوثائق الرسمية فقط، وإنما يُصاغ أيضًا في الأغنية، والمثل، والحكاية، والطقس الشعبي، وأن هذه العناصر، مهما بدت بسيطة، تشكل البنية العميقة لهوية المجتمع.

لقد أسهم مشروع نائلة لبس في توسيع دائرة البحث في التراث الفلسطيني، ونقل الاهتمام من جمع النصوص إلى قراءتها وتحليلها وربطها بسياقاتها الثقافية. وهو إسهام يستحق التقدير، لأنه حافظ على جزء مهم من الذاكرة الفلسطينية، ووضع بين أيدي الباحثين مادة موثقة سيكون لها دور في الدراسات المستقبلية المتعلقة بالثقافة الشعبية.

إن التجارب الثقافية الرصينة لا تُقاس بعدد الكتب التي تصدرها، بل بما تضيفه إلى المعرفة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مشروع نائلة لبس بوصفه مساهمة حقيقية في صون الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وفي تأكيد أن حماية التراث ليست عملًا مرتبطًا بالماضي، بل استثمار في المستقبل، لأن المجتمعات التي تحفظ ذاكرتها تمتلك قدرة أكبر على حماية هويتها ومواجهة محاولات طمسها.

لهذا، فإن الحديث عن نائلة لبس ليس احتفاءً بشخص، بقدر ما هو اعتراف بقيمة مشروع ثقافي أدرك مبكرًا أن الذاكرة الشفوية ليست هامشًا في تاريخ فلسطين، بل أحد متونه الأساسية، وأن صونها هو، في النهاية، صونٌ للرواية الفلسطينية نفسها.



مواضيع متعلقة
اضف تعقيب

اسم المعلق : *
البلد :
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق الكامل :
تعقيبات الزوار
مواقع اخبار عبرية
مواقع اخبارية عربية
مواقع اقتصادية
مواقع رياضة
بنوك
راديو