
















اهلا-زياد حلبي صدمة ترامب
ليست المشكلة أن دونالد ترامب أوقف في اللحظة الأخيرة هجوماً إسرائيلياً على الضاحية الجنوبية لبيروت. وليست المشكلة أنه تحدث عن تفاهم لوقف إطلاق النار مع حزب الله في لبنان أو فتح الباب أمام اتفاق مع إيران يقوم على وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز وتأجيل الملفات الخلافية إلى مفاوضات لاحقة.
المشكلة أن إسرائيل اكتشفت مرة أخرى أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك القرار.
فمنذ حرب حزيران 1967 بنت إسرائيل جزءاً كبيراً من صورتها على أنها الدولة القادرة على فرض إرادتها في المنطقة. لكنها تكتشف اليوم أن بإمكانها أن تبدأ الحروب، فيما تبقى نهاية هذه الحروب في مكان آخر. حدث ذلك عام 1956 عندما أجبرها أيزنهاور على الانسحاب من سيناء. وحدث بصورة مختلفة بعد اجتياح لبنان عام 1982. ويبدو أنه يتكرر اليوم بصورة أكثر وضوحاً.
هنا تكمن صدمة ترامب.
فالرئيس الأميركي لا يتصرف كحليف يتشاور مع إسرائيل، بل كقوة عظمى تحدد سقف الحركة وتوقيت التصعيد والتهدئة. ومن هنا جاءت الإهانة السياسية الحقيقية. ليس لأن ترامب أوقف هجوماً أو وبّخ نتنياهو بشكل فظّ، بل لأنه تصرف أمام العالم كله بوصفه صاحب القرار الأخير.
المفارقة أن الضربة لا تقتصر على الاستراتيجية الإسرائيلية، بل تمتد إلى مستقبل نتنياهو نفسه. فالرجل بنى بقاءه السياسي منذ السابع من أكتوبر على إدارة الحرب أكثر مما بناه على إدارة الدولة. وكان يأمل الوصول إلى الانتخابات حاملاً صورة انتصار في غزة ولبنان أو إيران ليقلل غضب الاسرائيليين من حكومة السابع من اكتوبر وأكبر فشل في تاريخ اسرائيل، التي يرأسها .
لكن ماذا لو أغلق ترامب هذه الجبهات كلها؟
ماذا لو انتهت حرب لبنان بوقف إطلاق نار جديد؟ وماذا لو تم التوصل إلى تفاهم مع إيران من دون إسقاط النظام أو تفكيك كامل لمشروعه النووي؟
عندها لن يكون السؤال ماذا حققت إسرائيل، بل ماذا حققت كل هذه الحروب.
والأمر لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار. فإسرائيل بنت خلال الأشهر الأخيرة استراتيجيتها على فرض وقائع ميدانية جديدة عبر ما تسميه "المناطق الصفراء" في غزة وجنوبي لبنان. الفكرة بسيطة وقديمة في آن واحد: السيطرة على الأرض، وتوسيع المناطق العازلة، واستخدام التدمير العمراني الواسع، لمنع عودة الحياة إلى المكان ، لصناعة واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه. لكن إذا كان ترامب يتجه إلى إغلاق الجبهات وفرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، فإن هذه الاستراتيجية نفسها تصبح موضع تساؤل في لبنان مثلا . فالقوة تستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع دائماً فرض معنى سياسي دائم لهذا الاحتلال.
في العلوم السياسية يسمى ذلك مأزق "الوكيل والراعي". حين يكتشف الوكيل أن مصالح الراعي أكبر من مصالحه، وأن قراره ليس مستقلاً بالقدر الذي تصور. وهذا بالضبط ما تبدو إسرائيل وكأنها تكتشفه اليوم. فبعد عقود من الحديث عن التحالف الخاص مع الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام رئيس أميركي يحدد ليس فقط حدود الحرب، بل حدود المشروع الذي خرجت من أجله إلى الحرب.
ولا تقف الإشارات عند حدود الجبهات العسكرية. فإدارة ترامب تتحدث أيضاً عن استبدال المساعدات الأميركية التقليدية،السنوية بنحو ١٠ مليارات دولار، بعلاقات تجارية طبيعية مع إسرائيل. وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى خطوة نحو استقلال أكبر، لكنه يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف تحافظ إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي من دون المظلة المالية الأميركية التي شكلت أحد أعمدة قوتها لعقود؟
ويأتي ذلك في لحظة تواجه فيها إسرائيل عزلة دولية متزايدة بسبب حرب غزة، ما يجعل صدمة ترامب أوسع من خلاف حول لبنان أو إيران. إنها صدمة تتعلق بمكانة إسرائيل نفسها وبطبيعة علاقتها بالولايات المتحدة وحدود قدرتها على فرض الوقائع العسكرية التي سعت إليها خلال الحرب.
لهذا قد لا تكون صدمة ترامب مجرد أزمة عابرة بين واشنطن وتل أبيب. ربما تكون لحظة تكشف حدود القوة الإسرائيلية وحدود نفوذ نتنياهو معاً. وإذا نجح ترامب في إغلاق جبهات لبنان وإيران، فقد لا يكون أنهى عدة حروب فقط، بل ربما يكون قد وضع أيضاً نهاية للاستراتيجية التي قامت على إدارة الصراع بالقوة وفرض الوقائع الميدانية، واقترب في الوقت نفسه من إنهاء واحدة من أطول المسيرات السياسية في تاريخ إسرائيل : نتنياهو .
فالتاريخ يبين أن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على تقرير متى تبدأ ومتى تنتهي. وعندما تكتشف دولة أن قرار النهاية ليس بيدها بالكامل، تبدأ لحظة المراجعة. وربما تكون هذه هي الصدمة الحقيقية التي تواجهها اسرائيل اليوم اقله وفق قراءة المعطيات الراهنة للمشهد التي قد تتغير بالطبع.