
















اهلا وكأنّي كنتُ أعرفها قبل أن أعرفها!
عفيفة مخول خميسة _ معليا
أعرفها معرفتي الورد الجوريّ قبل أن يتفتّح؛ من الرائحة المتسرّبة من ذاكرة الحديقة. أعرفها من خلال رفيف الفكر العابر نسيمًا رقيقًا يمسح الضباب عن وجه النور...
التاريخ يستولي على الأيام جلمودًا لا يشعر بالفرق بين النسيم والريح العاصفة... رنّة منبّه ساعته صاعقة تهزّ الفصول هزًّا عنيفًا مترافقًا مع إنذارات ترعد في جداول الحياة. وأنا من رعايا هذه الساعة. بين ركود وثوران أسترق لحظة للالتفاف عليها، فأستعير من الصمت صوتًا يسمعني!
سطح ذاتي طرحة من حروف ربيعيّة فرفطتها زوابع العصر، وأحالتها إلى لمامة خريفيّة مرتبكة. التشنّج ظاهر على ضفاف الحياة، وفي جُنّة الصمت لغة سريّة لا يفهمها عقل العواصف. حالما دنوتُ منها تبسّمت... تفرّستُ بها، نطقت، وكأنّها أحسّت بوجودي. يا للحروف ما أحدّ بصرها! ما أعظم ثقتها بنفسها! لكن، مَن هذه التي تطلّ من بينها فجأة، وتختفي بلمح البصر؟ أنا لا أومن بالسحَرة، وإن كنتُ متطرّفة الإيمان بسحر الكلمة. هذه الساحرة توقظ أطراف الواقع الواقع على فوّهة النار مسلّحة بمطرقة خشبيّة! ولكن، مَن هذه التي تتحدّى الهيّجان، تجيد التنقّل بين الصمت والضجيج، ترفع صوت هذا فتخمد صوت ذاك؟
كواحد من أبناء عصر يدفع نحو اللجوء إلى حرم الجنون، سريتُ أبحث تحت قشرة السكون عن قشّة تزيل الستار عن مسألة تختبئ بيني وبيني، بين الظاهر والمطمور... فأسمع نبض كلمة رانية مرجية في منبّه ساعتي! وصدى هواها يمرّ بين أمواج هواي، ويتمازج مع تيّاراته! هذا هو سحر إشعاعات كلمتها المحلّقة على جناح الفكر، فيما قدماها في الأرض مغروزتان.
من سحر الكلمة الجارية مجرى الساعة قفزتُ، لاإراديًّا، لمي زيادة، وقد انخطفت لمنارات كلمة جبران خليل جبران، فأحبّته حبًّا عميقًا، وأحبّها من ذات المنظار، ولم يلتقيا إلّا على أشرعة الورق!
رانية مرجية الكلمة تذكّرني باليراعة، وقد سمّيناها "سراج الليل" لمّا كان الليل بعدو ليل. وكنّا نبصرها من خلال النافذة شموعًا تسكن الأعشاب، ولا تحرقها! وتحذّر بصمت: انتبهوا، فالزواحف السامّة أيضًا من سكّان هذه الأرض! ويطلع الصباح، فترتفع أصوات الأجنحة في مزارع الحروف المسموعة زقزقة وطنينًا. وإذ برانية تتجوّل بين ظلال الكلام عصفورة، بحفيف جناحها ترسم حدود النور بمنتهى الدقّة. ذات المنقار هذه انتقائيّة لبقة، فتراها تتنقّل بين الزهور، لا تؤخذ بالبديع والزخرف الاستعراضيّ، فلا تحطّ على زهرة بلا رائحة، أو ملتبسة اللون أو غامضة التطعيم... ، وفي حقول الكلام تشكيلة من كلّ هذا.
من خلال خطوط هذه المجنّحة على "ورق" الشاشة تعرّفتُ عليها، وقد لمحتها عابرة فوق جسور الفكر صيّادة لا ترمي غير الصالح للادّخار في خانات الأدب المهذّب، أو على سُدد الفلسفة. لا تبلور فلسفة خاصة بها، بل تنزّل الفلسفة المعتّقة من على أبراجها، وتبسّطها تبسيطًا معيشيًّا يتوافق مع سلوكيّات الحياة اليوميّة. أمواج بحرها المعرفيّ تنتشر على الشاطئ رغوة تختزل رؤيتها للأصالة العميقة كمحطّة إلزاميّة للإبحار في محيط القيَم العليا... وتستقرّ عقيدة تروّج لكرامة مصقولة بعناية بالغة. المحبة خلف عيون كلمة رانية تومض بخجل، بينما تعتمدها مادة أوليّة لصناعة الثراء الروحيّ والأخلاقيّ. لا تدّعي أنّها أُمّ الصبي "أخلاق"، غير أنّ مسار عودها يظهر على وجه التراب حجرًا كريمًا يحفر سفرًا من أسفار الأُمومة الرعويّة، بمروره تمّحا الحدود بين الخاصّ والعامّ، وهي حبّاكة ذكيّة، بخيط دقيق تجمع ما بين أطياف السحر المحلّل وظلال الفكر المتنوّر.
قلم رانية لا يتردّد، لا يحابي، لا يتوارى خلف السطور حياديّةً... وغبار طبشورها لا تذروه الرياح العاصفة، ذاك لأنّها لا تستحي بانكشاف حلمها الكبير في زمن يقمع الأحلام الرصينة!
كلمتها نافذة تحرّضني، فأصعدت السطح أثناء العاصفة! وأبدأ بتصنيع وسيلة ألتقط بها طرف سرّ خبّأتُه في باطني، كنت أستحي أن يستدلّ على مرآتي وهي مغبّرة. رانية تدلّه عليّ وتحرّرني من هذا الخجل! إذًا، كنتُ أعرفها من خلال توارد عاطفيّ فكريّ عميق، وعقائديّ اجتماعيّ ينفي اعتقادي بأنّي أجهلها. أعرفها من خلال متحفها الثقافيّ القائم على مفهوم "القيمة"... أعرفها صاحبة قضيّة ثقافيّة تحملها وتطوف بها بين المطبوعات دارسة محكّرة محترفة... تعيد صياغة مقروء "الكيف" بمهنيّة عالية، فتعرّف الكلمة على جوانب مختلفة من آفاق صاحبها، وتعرّفه على أطراف أُخرى من ضمير كلمته، وقيمتها! ولا يُسمع في المحيط غير معول كرّامة دؤوب لا تكلّ من التنقيب عن وسائل إنماء كرْمها، مكرّسة كلّ طاقاتها الروحيّة والذهنيّة لرعايته. وترسخ في حاضرة الثقافة الأخلاقيّة زارعة فالحة، هدفها الأعلى هو رِفعة الإنسان.
ولا رفعة لإنسان من إنتاج وطن تسقمه المظالم، وتعرّيه ظلُمات التخلّف القهريّ... وبتحويلة خارج الهوى الأدبيّ تتّسع حقول قضيّتها... فتقتحم العتم "عتّالة" ترفع هموم الوطن المثقل بالآفات... فتطوف بين أفران العدل على أمل أن تحصّل له رغيفًا من الحقّ، أو كسرة من الحكمة!
سطوح الأيام بساط حروف تحلم أحلام يقظة كنتُ أُسكّتُها! أو أُنوّمها! وأستغرب أسبابي، فقد خفضتُ سقوفها منذ مدة...، فارتضت بالواقع، تراخت وافتعلتِ الخضوع. لكنّها بقيت عنيدة!
نزلتُ عن السطح أتأبّط حلمًا بُعث جريئًا وأكثر عنادًا. تفلّت، طار وحلّق معلنًا عصيانه على متلازمة الخوف على المحبة من صمتها، وعلى الكلمة النبيلة من الانكماش خوفًا من الاحتراق!