
















اهلا من الجامعة إلى المعتقل:
يوم الأرض في النقب كما عشناه
نسرين مرقس
* السكرتيرة العامة لحركة النساء الديموقراطيات.
حضرنا من مختلف المناطق إلى بئر السبع لندرس في الجامعة، لكن ما كان ينتظرنا هناك لم يكن الدراسة فقط، بل الانخراط في النضال حول القضايا التي تخص النقب، وفي مقدمتها القضية الأهم: قضية الأرض وسياسة الترحيل التي استهدفت أهل النقب، وإجبارهم على ترك أراضيهم وتركيزهم في مجمّعات حضرية، خلافًا لنمط حياتهم المعتاد. فقد نُقلوا قسرًا من الحياة البدوية إلى حياة مدنية، وهو ما أدى إلى مصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم، التي أُقيمت عليها لاحقًا مطارات حربية، مثل أراضي تل الملح، ومعسكرات للجيش، إضافة إلى توسيع بعض المدن اليهودية في المنطقة.
وصلتُ إلى بئر السبع مباشرة بعد إنهاء الصف الثاني عشر. وكان ذلك في فترة شهدت نشاطًا طلابيًا وسياسيًا واسعًا؛ إذ كان طلاب الجامعة مع النشطاء النقباويين، وبقيادة الحزب الشيوعي، وعلى رأسهم الرفيق شحدة بن بري والرفيق المرحوم أبراهام زيليغ، يشكّلون حركة نشطة ومليئة بالحيوية، تنظم النشاطات الاحتجاجية دون كلل. وكان موضوع مصادرة أراضي تل الملح هو القضية الملتهبة آنذاك. وسمعت من الرفاق قصصًا عن نشاطاتهم الاحتجاجية ضد هذه المصادرة، التي بدأت حين حاصر الجيش السكان هناك بشريط من الأسلاك الشائكة تمهيدًا لطردهم.
كانت التحضيرات ليوم الأرض في النقب تقع على عاتق الطلاب، بقيادة لجنة الطلاب العرب وفرع الحزب في بئر السبع، لنقود وننفّذ قرارات لجنة الدفاع عن الأراضي، بالتشاور والتعاون مع أهلنا في النقب. نحن الطالبات والطلاب العرب من الجليل والمثلث، اتحدنا مع إخوتنا عرب النقب لنقود معًا النضال من أجل الأرض والكرامة. وكان الرفيق شحدة بن بري الذي رأس لجنة الطلاب بأواخر السبعينات وقيادة الحزب في الجنوب يرافقوننا في جميع النشاطات أضافة للجنة الطلاب العرب والتي كان يرأسها ببداية الثمانينات الدكتور ثابت أبو راس من قلنسوة ومن بعده الرفيق سالم سليمان من البعينة والتي كانت تتحمل وتقود الكثير من النضالات.
كانت التحضيرات للمهرجان المركزي ليوم الأرض في النقب تبدأ منذ بداية شهر آذار، وكثيرًا ما كنا نبقى طوال تلك الفترة في بئر السبع، دون العودة لزيارة الأهل في الشمال لكي نستغل نهايات الأسبوع في توزيع المناشير والدعوات لمهرجان يوم الأرض، الذي كان ينتقل كل سنة بين بلدات النقب: مرة في اللقية، وفي السنة التي تليها في رهط، ومرة في تل السبع.
ومن ذكرياتي أننا كنا نجتمع إما في نادي الحزب أو في إحدى الغرف في مساكن الطلبة، ثم نخرج مجموعاتٍ مجموعات ونتوزع في مناطق النقب المختلفة: مجموعة تنطلق إلى تل السبع، وأخرى إلى رهط، وثالثة إلى منطقة تل عراد، ومجموعة إلى التجمعات الواقعة على الطريق إلى ديمونة، وأخرى إلى اللقية، حيث تعرّفنا هناك على مجموعة من الطلاب الوطنيين والنشطاء جدًا، وأقمنا معهم علاقة تواصل دائم. وأكثر ما أثّر فيّ حين وصلت إلى اللقية للمرة الأولى هو أنه في هذه البلدة البعيدة عن الجليل، حيث جرت أحداث يوم الأرض، كان قد أُقيم نصب تذكاري لشهداء يوم الأرض.
وبما أننا كنا طلاب جامعة فقراء الحال، وكان من المفهوم ضمنًا أننا لا نملك سيارات للتنقل بين البلدات، فقد كانت مجموعة من المقاولين العرب، الذين يعملون ويقيمون مع عائلاتهم في النقب، يقدّمون سياراتهم تبرعًا لدعم نشاطاتنا، ليس فقط في يوم الأرض، بل أيضًا في المعارك الانتخابية وغيرها من النشاطات.
ولأنني أتحدث عن مهرجانات يوم الأرض في بداية الثمانينيات، حيث لم تكن تتوفر منصات لائقة كما هو الحال اليوم، فقد كانت شاحنة كبيرة تُحوَّل إلى منصة، توضع عليها كراسي الخطباء والميكروفون، في ساحة مفتوحة في إحدى مناطق التجمعات البدوية في النقب.
ثم جاءت الاعتقالات…
كان من الواضح لنا آنذاك أن نشاطاتنا ونضالنا لم تكن لتروق للأجهزة الأمنية، التي كانت تراقب وتتابع كل تحركاتنا داخل حرم الجامعة وخارجه. ففي أسبوع التحضيرات لمهرجان يوم الأرض عام 1983، توزّعنا في مجموعات، تضم كل منها ما بين خمسة إلى ستة طلاب، لتوزيع المنشورات والدعوة إلى مهرجان يوم الأرض الذي كان مقررًا إقامته في مدينة رهط.
كنتُ ضمن المجموعة التي وصلت إلى تل السبع. بدأنا بتوزيع المنشورات في الشارع الرئيسي وبالقرب من المدرسة الثانوية، لكن بعد وقت قصير وصلت سيارات الشرطة لإيقافنا عن التوزيع. وأذكر نقاشي الساذج حينها مع رجال الشرطة حول حقنا في التعبير عن رأينا وتوزيع المناشير والدعوة للمهرجان. لكنهم لم يأتوا ليستمعوا إلى "محاضرتي" عن حرية التعبير؛ فقد اعتقلونا انا وطالبين كانا معي بينما اختلط آخرون بطلاب المدرسة ولم يتم التعرف عليهم.
عندما نقلونا إلى مركز الشرطة في بئر السبع أنا وزملائي، قالوا لي إنه يمكنني الاتصال بأهلي لإبلاغهم باعتقالي. اتصلت، فردّت والدتي، وكان ردها الحرفي:
"لماذا أنتِ وحدك فقط؟ لماذا لم يعتقلوا روضة أيضًا؟!"
وروضة هي أختي، التي كانت تدرس في الجامعة آنذاك أيضًا، وكانت ضمن مجموعة أخرى ذهبت لتوزيع المناشير في منطقة مختلفة.
لم تكن مجموعة تل السبع وحدها المستهدفة بالاعتقال؛ إذ تبيّن لاحقًا أن دوريات الشرطة أُرسلت إلى معظم أماكن التوزيع التي تواجد فيها الطلاب. وهكذا، ونحن في غرف الاعتقال التي كانت تطل على الساحة الداخلية لمركز الشرطة، كنا نستقبل كل بضع ساعات مجموعة جديدة من الزملاء. وفي اليوم التالي أيضًا أُحضر الطلاب الذين كانوا معتقلين في مركز الشرطة في مدينة عراد.
وهكذا تجمعنا في مركز الشرطة في بئر السبع نحو 22 طالبًا وطالبة، وكنا ثلاث طالبات بين المعتقلين. قضينا هناك ثلاث ليالٍ لم تهدأ خلالها أصواتنا، ونحن ننشد ونغني الأغاني الثورية، خاصة بعد أن علمنا من قيادة لجنة الطلاب العرب، التي جاءت لزيارتنا، أن المهرجان سيقام كما هو مخطط، وأن النشطاء في النقب ورفاق الحزب يواصلون التحضيرات.
أبقونا رهن الاعتقال حتى بعد انتهاء المهرجان، الذي وصلنا أنه كان ناجحًا جدًا، وشارك فيه خطباء من النقب ومن قيادة لجنة الدفاع عن الأراضي، من بينهم صليبا خميس والرفيق عوزي بورنشطاين والشاعر الكبير سميح القاسم وغيرهم.
اليوم، بعد كل تلك السنوات، لا زالت تلك الأيام تعود إلى الذاكرة بوضوح. يوم الأرض لم يكن بالنسبة لنا مجرد ذكرى أو مناسبة سنوية، بل تجربة حياة شكّلت وعينا ودورنا بالنضال الشعبي والالتحام مع شعبنا وقضاياه، ذكرى مهمة لمن يريد ان يتناسى وينكر دور الحزب الشيوعي الذي استطاع أن يكون قوة سياسية اعطت يوم الارض مضمونا سياسيا وطنيا عميقا وكان القوة المنظمة ليوم الارض.