
















اهلا
جنات على مد النظر، ينابيع مياه عذبة، روائح عطرة ومنعشة، أراض شاسعة وخصبة تجري فيها الجداول والاودية، كروم وبيارات وبساتين وحقول ومزارع مترامية الاطراف وبيوت حجرية جميلة وطرقات واسعة مرصوفة بالحجر وساحات تربط هذه البيوت ببعضها وهواء منعش يهب عليها من البحر القريب ممزوجًا بعبق المكان - هذه هي قرية الكابري الفلسطينية، بلد أهلي وأجدادي.
في هذا المكان الجميل من الجليل الأشم عاش الناس بهداة بال ومحبة وتكاتف وطموحهم الوحيد هو المزيد من السعادة والآمان. وفي سبيل ذلك ربط أهلها الليل بالنهار في العمل في الحقول والبساتين والبيارات والكروم، ولا ابالغ اذا قلت ان كل ذرة تراب من اراضي الكابري، التي تمتد على مساحة أكثر من 28 ألف دونم، مجبولة بعرق الناس الذين عاشوا عليها على مر العصور- منذ 3200 سنة قبل الميلاد.
هذه هي قرية الكابري المهجرة التي كانت عامرة في شمال فلسطين وتتبع للواء عكا وتبعد عنها 12 كم الى الشمال الشرقي وتبعد 5 كم الى الشرق من البحر على الشارع الموصل بين السهل الساحلي وجبال الجليل الغربي وهي جارة البصة والزيب وأم الفرج والنهر والتل والغابسية، وجميعها بلدات نكبت وهجرت من أهلها في العام 1948. ومن الجهة الشرقية هي جارة معليا وترشيحا. فموقعها استراتيجي هام اذ تربط الساحل الغربي بجبال الجليل الأعلى شرقا وتربط شمال فلسطين بجنوبها. والكابري هي تحريف للاسم الارامي "كابرايا" ويعني الكبير والغني.
القرية دمرت ست مرات على أيدي مختلف الغزاة وآخرها كان في العام 1948 على ايدي الغزاة الصهاينة. وفيها عسكرت جيوش ابراهيم باشا، قائد الحملة المصرية على فلسطين كما رابطت فيها جيوش نابليون عند حصاره مدينة عكا وعجزه عن احتلالها.
كانت القرية غنية جدًا بالمياه ففيها أربعة ينابيع مياه عذابة. نبع الكابري ونبع عين العسل ونبع الفوار ونبع المفشوخ، هذا بالإضافة الى وادي جدّين من الجهة الجنوبية الشرقية ووادي الصعاليك من الجهة الشمالية وهو أحد روافد وادي القرن.
كان عدد سكان الكابري في 1948، 1770 نسمة عاشوا في بيوت جميلة وفخمة مبنية من الحجر والاسمنت المسلح وكان فيها العديد من المباني متعددة الطوابق. وقد وصف الضابط الاسرائيلي دوف يرميا، الذي حارب في المنطقة ويعرفها جيدًا، بيوتها بالقصور الجميلة وأهالها بالأغنياء. وتربط بين بيوت القرية طرقات واسعة مرصوفة بالحجر ومضاءة بمشاعل من شمع العسل وساحات واسعة. وكان مدخل القرية قبالة منبع عين العسل حيث أشجار الظل الوارفة والكثيفة والهواء النقي المجبول بأريج البساتين ونسيم البحر.
كان في القرية جامع صغير وزاوية للجماعة الشاذلية وقبيل النكبة كان العمل جارٍ على استكمال بناء الجامع الجديد بطول عشرة امتار وبعرض 20 مترًا وارتفاع ستة امتار على رأس نبع عين العسل على قطعة ارض تبلغ 3 دونمات تبرع بها ورثة فؤاد سعد، وهم مسيحيون، عن طيبة خاطر وكرم اخلاق إيمانا منهم بالألفة والمودة بين المسلمين والمسيحيين على هذه الأرض المقدسة، الا ان النكبة حالت دون اتمامه. وكذلك كان الامر بالنسبة للمدرسة. اذ تم البدء في بناء المدرسة الجديدة شرقي القرية على امل ان يتم الانتقال اليها في بداية السنة الدراسية في العام 1948. كان في القرية مدرسة حتى الصف الخامس وكان يتعلم فيها 100 تلميذ.
كان في القرية مطحنتان الاولى الغربية على نبع عين العسل وكانت تسمى مطحنة الريس نسبة الى موقعها في منطقة "الريس" وهذه الكلمة مصرية وتعني الرئيس، فعندما وصلت حملة ابراهيم باشا الى مدينة عكا اكرم حاكمها احمد باشا الجزار عددا من المقاتلين المصريين بإعطائهم قطع ارض في هذه المنطقة ومكنهم من العيش في الكابري. اما المطحنة الثانية الشرقية فكان يشغلها رافد من وادي جدّين ولا تزال أثار هاتين المطحنتين باقية حتى يومنا هذا كشاهد عيان على نكبة اهلنا. وفي السنوت الاخيرة قبيل النكبة تم تشغيل بابور (مطحنة آلية) وكانت في الجهة الشرقية الجنوبية من القرية معصرة. ولهذا كان يزور البلدة يوميا العشرات من سكان القرى المجاورة.
حول البلدة كانت تمتد من الجهات الغربية والجنوبية والشرقية - الجنوبية بساتين الحمضيات بمختلف صنوفها (أكثر من 6 مئة دونم) ومسيجة بأشجار السرو والصفصاف والورد الجوري يملئ الفجوات في هذا السياج. وكان هناك اتفاق بين أصحاب هذه البساتين على حصص الري من خلال تحول مجاري وادي عين العسل وجدّين الى القنوت التي تصل الى هذه البساتين حسب برنامج متفق عليه بين المزارعين وبمصادقة المختار والمجلس البلدي.
اما من الجهة الشرقية والشرقية - الجنوبية والجهة الشمالية فكانت تمتد كروم الزيتون (أكثر من 540 دونما) أضافة الى بيارات التفاح والخوخ والمشمش واللوز وكروم التين والعنب والرمان والتوت والعوسج (العليق)، التي تحيط بمجرى وادي عين العسل ونبع الفور ووادي جدّين. ومن الجهة الغربية والتي تمتد حتى شارع عكا - رأس الناقورة بالإضافة الى بساتين الحمضيات كانت بيارات الموز (أكثر من 200 دونم) وحقول القمح والشعير والقطن والسمسم والعدس والحمص (قرابة 14 ألف دونم) وكذلك مزارع الخضروات بمختلف انواعها وقصب السكر وقسم كبير من هذه المزروعات مروي (قرابة خمسة آلاف دونم)، إضافة الى آلاف الدونمات من المراعي (13 ألف دونم) في الاساس في الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية - الشرقية من القرية. وكانت القوى العاملة في فلاحة الارض غير كافية مما حمل الفلاحون على الاستعانة بعمال من جنوب لبنان.
والى جانب الزراعة اشتغل أهل الكابري في تربية المواشي والدواجن وكذلك تربية النحل وقطف العسل. وكانت منتوجات الكابري، بمختلف أنواعها، تشحن الى اسواق عكا وحيفا يوميا منذ ساعات السحر الاولى.
كان في الكابري مجلس بلدي واخر من ترأسه كان احمد سرحان وكذلك كان مختار في القرية ديب الصفدي ولجنة من ختيارية البلد. ونفذ هذا المجلس البلدي بالتعاون مع المختار وبالمشورة مع لجنة ختيارية البلد العديد من المشاريع الحيوية من ابرزها: بناء جسر على مجرى وادي جدّين على شارع عكا ترشيحا والعديد من العَبّارات والقنوات وصب مجري نبع عين العسل بالباطون ورفع حافتي المجرى لتجنب الفيضانات وتجفيف المستنقعات وبناء مغطسا للحيوانات لتجنب مرض الجرب وبناء مدرسة لم تفتتح وكذلك بناء الجامعً لم يكتمل العمل فيه ورصف مدخل البلد من عين العسل وحتي الساحة في شمال البلد. كما وزع المجلس معونة مالية (إعاشة) على مستوري الحال. إضافة الى ذلك كانت الزاوية الشاذلية، التي كانت تمتلك مساحة شاسعة من الاراضي، توفر لقمة العيش مقابل العمل لمن لا يمتلكون الارض وحتى المأوى في بعض الاحيان.
كان لأهل الكابري دور هام في موقعة الكابري يوم 21 آذار 1948 التي جاءت ردا على جريمة قتل 15 فلسطينيا في كمين نصبته العصابات الصهيونية الى الجنوب من عكا استهدف شحنة سلاح للقوات العربية والثوار قادمة من لبنان.
في 21 أيار 1948 دخل عصابات الجيش الكابري وفي اليوم الثاني تم استكمال هدم جميع بيوت القرية. وكانت الغالبية الساحقة من أهل القرية قد اضطروا الى مغادرتها تحت وطأة القصف المتواصل وانسحاب جيش الانقاذ من المنطقة بأكملها.
على اراضي القرية المنكوبة اقامت العصابات الصهيونية كيبوتس كابري، وغعتون ومعونا وعين يعقوب ويحيعام ومعلوت فهي تابعة اما للكابري أو لقرية ترشيحا (آخر خريطة لممتلكات القرى وهي تلك التي صدرت أيام الانتداب، تدمج أراضي الكابري وترشيحا بعضها في بعض) وموشاف بن عامي كما ان البناء في مدينة نهريا امتد من الجهة الشرقية الى اراضي الكابري.
اما سكان الكابري عن بكرة ابيهم فنزحوا عن قريتهم الى مخيمات اللجوء القسري في لبنان وبالأساس الى مخيم برج البراجنة وقسم آخر الى سوريا. وفي احصاء اجري في العام 1998 وصل عدد أهالي الكابري في مختلف مواقع الشتات القسري الى أكثر من 38 ألف انسان وفي عام 2008 قدروا بـ(51621) نسمة ويبدو ان عددهم اليوم يربو عن 60 ألف نسمة.
ما حل بشعبنا، منذ النكبة وحتى يومنا هذا، من مآسٍ وجرائم وتهجير وتشريد واعتقال وإذلال لا يستوعبه العقل والمنطق البشري وهو عصي على النسيان. فمند نكبة 1948 وحتى طوفان الاقصى (حتى اليوم) قتلت اسرائيل قرابة من 200 ألف فلسطيني في عشرات الحروب والحملات العدوانية وفي عشرات المذابح الموثقة التي نفذها الجيش والعصابات الصهيونية، وتم تهجير وتدمير 531 قرية ومدينة وتشريد وتهجير ما يربو عن 750 الف فلسطيني عن الوطن (75% من ابناء شعبنا اليوم هم لاجئون مهجرون) ، والامر لم يتوقف هنا. فالجرائم التي استهدفت شعبنا في الشتات وفي فلسطين 67 وبشكل خاص في غزة وفي اراضي 48 تواصلت على مدار الـسنوات الماضية منذ 1948 وحتى يومنا هذا بهدف القضاء على طموح شعبنا نحو التحرر والانعتاق. والمؤلم ان كل هذه الجرائم نفذت على مرأى ومسمع "العالم الديمقراطي"، الذي يذرف دموع التماسيح على حقوق الانسان، والعالم العربي من المحيط الى الخليج!
وهنا لا بد من العودة على ما أكدناه دائما ان مأساة شعبنا الفلسطيني هي وليدة التحالف الثلاثي الدنس – الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية - وطالما ان هذا التحالف لا يزال قائما فلا أمل لشعبنا بتحقيق طموحاته وليس أمامه من طريق غير طريق الوحدة والتضحية والإصرار على تمسكه بحقوقه المشروعة والعادلة وتصعيد المواجهة الشعبية ضد الاحتلال من اجل التحرر والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967 وعاصمتها القدس العربية. وهذا هو مضمون الرسالة التي حملتها مسيرات العودة الى عشرات البلدات الفلسطينية المهجرة على مر العقود الماضية وبضمنها مسيرة عشرات الألوف الى بلدة الكابري يوم 2 آذار 2017.
هذه المسيرات الجبارة، التي جرت سنة بعد سنة، تؤكد تمسك شعبنا المتجذر في الوطن وبكل فئاته بحقوقه المشروعة كباقي الشعوب في هذا العالم وهذا ما يبدد اوهام واحلام القادة الصهاينة بان الكبار يموتون والصغار سينسون.
هل صغار غزة، اليوم الذين ذاقوا أمّر صنوف العذاب والاذلال وعايشوا الحصار الاحتلالي الخانق، على مدى اكثر من عشرين سنة، سينسون جرائم اسرائيل من ابادة جماعة وتدمير وتشريد وتجويع وتعطيش واهانة لم يشهد التاريخ البشري مثيلا لها؟!
صغار غزة الذين عاصروا مثل هذه الجرائم قبل 20 سنة هم الذين يتصدون اليوم لهذا المحتل بكل بسالة وصمود، ساطرين بدمائهم آيات من البطولة والعزة، لم يشهد التاريخ مثيلا لها. يتصدون لأعتى جيش "الجيش الذي لا يقهر" المدعوم امريكيا سياسيا وعسكريًا ويحولون دون ان يحقق أي هدفٍ من أهداف عدوانه ومدونين بصمودهم وبسالتهم اسفارًا جديدة في التاريخ الانساني حول الصبر وتحمل المعاناة ورفض الاهانة والاقدام دفاعًا عن الكرامة الانسانية والتمسك بالحق في هذا العالم الظالم والمنافق. وهكذا هو الحال، وحتى أعظم، بالنسبة للبيئة الحضانة التي ترعرع فيها هؤلاء المقاومين. وعلى العالم وأصحاب القرار السياسي وعلى المتآمرين على حقوق شعبنا ان يعوا هذه الحقيقة بشكل جيد جدًا. وان شعبًا كهذا لن يفرط بحقوقه المشروعة هو عصي عن الاستسلام!
الصورة مخطط ديموغرافي ميداني لقرية الكابري - عكا