















اهلا-جلال ابو هادي التقويم الغريغوري : قصة أعظم و أدق تصحيح فلكي في تاريخ البشرية
في القرن السادس عشر، وتحديداً في عام 1582، اتخذ البابا غريغوريوس الثالث عشر قراراً جريئاً غيّر وجه الزمن إلى الأبد، وهو إصدار ما نعرفه اليوم بـ"التقويم الغريغوري.
كان القرار تتويجاً لعمل فلكي ورياضي معقد لتصحيح خطأ استمر لقرون، واصطدم لاحقاً بتعقيدات لاهوتية وتاريخية قسمت العالم.
إليك القصة الكاملة :
1. الخطأ المتراكم: أزمة الـ 11 دقيقة والزحف البطئ
قبل عام 1582، كان العالم الغربي يعتمد على التقويم اليولياني (تأسس عام 45 ق.م). افترض هذا التقويم أن السنة الشمسية تبلغ بالضبط 365.25 يوماً.
لكن في الفيزياء الفلكية المتقدمة، تُعرف "السنة المدارية" (Tropical Year) —وهي المدة الدقيقة بين اعتدالين ربيعيين متتاليين— بأنها تبلغ تقريباً 365.24219 يوماً. هذا يعني أن التقويم اليولياني كان أطول من السنة الشمسية الحقيقية بحوالي 11 دقيقة و14 ثانية كل عام.
هذا الفارق الضئيل يخلق خطأً مقداره يوم واحد كامل كل 128 عاماً. وبتراكم هذه الدقائق عبر القرون، أصبح التقويم متأخراً عن الواقع الفلكي بحوالي 10 أيام كاملة بحلول القرن السادس عشر.
2. الدافع الحتمي "أزمة القمر الخطأ"
الدافع الأساسي للتصحيح كان دينياً بحتاً لإنقاذ قرارات مجمع نيقية الأول (325م)، والذي اشترط وقوع "عيد الفصح" في يوم الأحد الذي يلي البدر بعد "الاعتدال الربيعي" (المحدد في 21 مارس).
تراجع هذا الاعتدال فلكياً إلى 11 مارس ألقى بالكنيسة في أزمة (القمر الخطأ): وهذا كان التحدي العاجل؛ فبسبب تأخر التقويم، كان القمر يكتمل أحياناً في السماء فعلياً بعد الربيع، لكن الكنيسة ترفض الاعتراف به لأن موعد 21 مارس اليولياني لم يحن بعد! النتيجة كانت تأجيل الكنيسة لعيد الفصح شهراً قمرياً كاملاً (29 يوماً) في بعض السنوات.
في عصر النهضة، حيث راقب علماء الفلك السماء بدقة، كانت فضيحة علمية مدوية أن تعتمد الكنيسة تقويماً يؤدي إلى الاحتفال بالعيد في "الشهر الخطأ"، ناهيك عن الإرباك الشديد الذي سببه التأخير في جداول الملاحة البحرية والزراعة.
3. العقول الفذة و الحسابات المعقدة
استعان البابا بلجنة من أبرز العلماء، على رأسهم الطبيب وعالم الفلك ألويسيوس ليليوس، وعالم الرياضيات والفلكي البارز كريستوفر كلافيوس. لحسم الأزمة، اعتمد العلماء ثلاث خطوات عبقرية:
* القفزة الزمنية (إلغاء 10 أيام): لإعادة الاعتدال الربيعي إلى 21 مارس، تم مسح 10 أيام من التاريخ. نام الناس في روما مساء الخميس 4 أكتوبر 1582، واستيقظوا في صباح الجمعة 15 أكتوبر 1582.
* معادلة السنة الكبيسة الجديدة: * إضافة يوم (29 فبراير) كل 4 سنوات.
* الاستثناء: السنوات المئوية (مثل 1700، 1800) غير كبيسة.
* استثناء الاستثناء: السنوات المئوية القابلة للقسمة على 400 (مثل 1600، 2000) تبقى كبيسة.
هذه العبقرية جعلت متوسط طول السنة 365.2425 يوماً، بخطأ لا يتجاوز يوماً واحداً كل 3300 عام!
* خوارزمية الفصح (Computus):
لضمان عدم حدوث "أزمة القمر الخطأ" مجدداً، صاغ ليليوس وكلافيوس خوارزمية رياضية متقدمة تعتمد على مفهوم الإيباكت (Epact)، وهو رقم رياضي يمثل عمر القمر (بالأيام) في الأول من يناير لكل عام. سمحت هذه الخوارزمية بحساب دورات القمر بدقة فائقة لآلاف السنين دون الحاجة لمراقبة السماء بالعين المجردة كل عام.
4. الانتشار العالمي وازدواجية الزمن
العلوم الدقيقة اصطدمت بالسياسة والدين:
* الدول الكاثوليكية: تبنت التقويم فوراً.
* الدول البروتستانتية: رفضته بريطانيا العظمى وألمانيا كـ"تدخل بابوي" حتى عام 1752 (ترافق ذلك مع شغب شهير للمطالبة بـ "إعادة الأيام الإحدى عشر المفقودة").
* الازدواجية الروسية: لم تتبنَّ روسيا التقويم الغريغوري مدنياً إلا عام 1918 بعد الثورة البلشفية. ومع ذلك، رفضت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هذا التغيير واستمرت على التقويم اليولياني. لذلك يعيش المواطن الروسي اليوم حياته المدنية بالتقويم الغريغوري الشمسي، ويحتفل بأعياده الدينية بالتقويم اليولياني، مما أدى لزحف العيد الأرثوذكسي لشهري أبريل ومايو في عصرنا الحالي.
5. الصدام اللاهوتي والفلكي: معضلة الفصح اليهودي
لماذا رفضت الكنائس الأرثوذكسية الدقة الغريغورية؟
السر يكمن في طريقة قراءة قرارات مجمع نيقية التي أمرت بالاستقلال عن التقويم اليهودي "المتخبط" آنذاك. التقويم اليهودي هو تقويم قمري-شمسي يعتمد على "دورة ميتون" لإضافة شهر كامل 7 مرات كل 19 عاماً لضمان بقاء الفصح اليهودي في الربيع.
هنا ظهر الانقسام الأكبر:
* التفسير الكاثوليكي (الحرفية الفلكية): رأت روما أن الالتزام بنيقية يعني الالتزام بحسابات الشمس والقمر، بغض النظر عن التقويم اليهودي. لذلك قد يأتي العيد الكاثوليكي قبل أو مع الفصح اليهودي دون أي حرج لاهوتي، طالما الحساب الفلكي دقيق.
* التفسير الأرثوذكسي (التسلسل التاريخي): تستند الكنائس الشرقية إلى "قوانين الرسل" القديمة التي تمنع الاحتفال مع اليهود. يرون أنه من المشوه تاريخياً أن يُحتفل بـ "القيامة" قبل "الفصح اليهودي". ولأن التقويم الغريغوري يكسر هذا التسلسل، فضلوا البقاء على التقويم اليولياني المتأخر فلكياً، لضمان أن تأتي القيامة دائماً بعد الفصح اليهودي.
لقد كان إقرار التقويم الغريغوري انتصاراً ساحقاً للرياضيات والفيزياء الفلكية، ولكنه فتح باباً لنقاش بخصوص التقاليد الأقدم من نيقية و لم يُحل بالكامل.
-------------------
هامش:
رغم غياب الاعتراف الكنسي الرسمي المباشر بـ صحة التقويم الغريغوري من قِبل الكنائس الشرقية لأسباب تاريخية، إلا أن المرجعيات اللاهوتية والفلكية المشتركة أقرت عملياً بالأساس الفلكي الذي قام عليه هذا التقويم، واعترفت بقصور التقويم اليولياني.
تتجلى هذه الإقرارات في عدة وثائق كبرى: أبرزها وثيقة حلب (1997) التي دعت للتخلي عن الجداول القديمة والاحتكام للمراصد الفلكية الدقيقة (عبر خط طول اورشليم)، وتقرير كبير الفلكيين الأرثوذكس جورج كونتوبولوس في مؤتمر شامبيزي (1977) الذي أقر بأن الحساب اليولياني الحالي يخالف نص وروح مجمع نيقية.
كما نص بيان المشاورة الأرثوذكسية-الكاثوليكية (1999) صراحة على أن التقويم اليولياني متأخر 13 يوماً عن الواقع الفلكي. تُجمع هذه الوثائق على أن الدقة الفلكية هي الحل، وهو ذات المبدأ العلمي الذي استند إليه الإصلاح الغريغوري عام 1582.