
















اهلا المجنون عاقل بلا رخصة!
عفيفة مخول خميسة _ معليا
قالوا: "المجانين ولاد ناس". والقصد وراء هذا يحتمل التحليل والتأويل. وقد ينطوي على خبث. أمّا أنا "فلا أخذت ولا أعطيت". لكنّ أبي، رحمه الله، قد قال: "تمعّنوا بحكيات المجنون، يمكن يكون عاقل، ويطلع فيلسوف بلا رخصة! فأخذت الفكرة فضولًا وأعطيتها اهتمامًا هامشيًّا. ولم يصدف أن أحضر محضر مجنون...
راحت أيام، شهور وأعوام، ونسيت. إلى أن، وأثناء مروري في محطة القطار، ألتقي بأبي الراحل قبل ثلاثين عامًا! ملامح هذا الرجل السبعينيّ (كما يبدو)، ومظهره العامّ لا يختلف عن أبي إلّا بالقبّعة بدل الحطّة. صحيح أنّ "الله يخلق من الشبه أربعين"! لكنّ جلوسه على مقعد الانتظار بمطلق الهدوء، واسترخاءه "لاكِك إجِر عإجِر بنفس الطريقة يرفع درجة حرارتي، فأندفع نحوه، وأقترب بما يتيحه الذوق... ولم تتبدّل ابتسامته (المعهودة)، وقد دعمها شبيهه هذا بحاجبين يلعبان لعبة "القبّانه" (الميزان الطالع نازل)، وهو ينحني نفس الانحناءة، يتأمّل في ساعة يده وكأنّه يحدّث الدقائق المتبقية لوصول القطار.
اندفعت أنظر وأُدقّق النظر في الساعة، فقد تكون توأم ساعة أبي... وكانت كما أحببت؛ ساعة تعمل على النبض، عقاربها تتحرّك بانتظام محسوب بين اثني عشر رقمًا المعروفة، لكنّها مفتولة؛ الأقطاب فيها معكوسة؛ الشمال من تحت، والجنوب من فوق! ولكن... التفت إليّ متبسّمًا، وقال: "صارت سيعة الأرقام غريبه،هه"! قلت: صحيح. هل تسمح لي بسؤال؟ أجاب: بكلّ سرور! كيف تقرأ الوقت بهذه الأرقام المقلوبة؟ أجاب بمنتهى البساطة: "ساعتي مجنونة ماشي لقدّام مع إنّو الزمان ماشي ورّاني! وأنا ماخذها عقدّ عقلاتا! بيني وبينها عشرة عمر... صرت أفهم عليها"! وصل القطار تزامنًا مع وصول توضيح لمقولة أبي، بالتقائي نموذجًا عن "فيلسوف بلا رخصه"!