















اهلا الجيش العربي: شجرة متجذرة تقلم العواصفَ قبل أن تَقْلَمَها! لما كانت الشجرة المتجذرة لا تقلم اغصانها الا لأنها ترى في الافق ما لا يراه غيرها، فإن هيكلة الجيش العربي ليست نقاشا في الجذور بل هي بصر ثاقب بالظل القادم من وراء الحدود، حيث تعيد "حرب الغد" رسم الخرائط على خاصرتنا الشرقية، وكأن العدو الذي يبني الجدران والخنادق يعلن خوفه من ظل شجرتنا قبل ان نخاف نحن من جدرانه! والفرق بيننا وبينه انه يحمي حدوده بالاسمنت، بينما نحن نحمي وجودنا بالعقل الذي يعيد اختراع معنى الحدود ذاتها، لان الحرب المقبلة لا تربح بالتحصينات بل بالعقول التي تغير ساحات المعركة قبل ان تبدا. ولكن، اي تحول هذا الذي ينتظرنا؟ انه التحول الخلدوني بامتياز: فالدولة التي تأسست على "عصبية" الدم والقبيلة تصل الى مرحلة يجب ان تتحول فيها تلك العصبية الى "عصبية" الكفاءة والانضباط المؤسسي، وهذا التحول مؤلم لانه يشبه نقل الروح من جسد قديم الى جسد جديد. وهنا يبرز السؤال الذي يتجنبه خطاب الاطراء الرسمي: كيف تتحول مؤسسة بني مجدها على البطولة الفردية والولاء العاطفي الى آلة ذكاء جمعي تعمل بالبيانات والخوارزميات، دون ان تفقد الروح التي جعلت منها "الفرع الاكثر صلابة" للشجرة الوطنية؟ وكيف نحافظ على حماسة الجندي الذي حفر الخنادق بينما ندرّب حفيده على برمجة انظمة الذكاء الاصطناعي؟
عماد داود
وهنا تكمن حكمة "الدولة الدائمة" التي لا تنتظر الموسم كي تثبت حضورها، بل تجعل من كل قرار فصلا في كتاب مفتوح لا يغلق، ومن كل زيارة ميدانية محكمة لشرعيتها التاريخية. فالملك الذي يتجول بين جنوده لا يبحث عن صورة، بل يختبر نبض العهد الهاشمي في عيون رفاق السلاح، لان هذا العهد لم يكن يوما ورقة قابلة للتمزق، بل كان روحا تسري في الجسد الوطني، والروح لا تهيكل، لكن الجسد يجب ان يظل لائقا لحملها في زمن تغيرت فيه اشكال التحدي. من هنا تتحول الهيكلة من عملية ادارية الى فعل دلالي: الدولة التي تملك شرعيتها التاريخية لا تخشى من مراجعة ادواتها، بل تجعل من هذه المراجعة طقسا مستمرا، لان التحدي الاكبر ليس في قرار الهيكلة، بل في تحويل الهيكلة الى عقلية.
التقرير الاسرائيلي عن "الخاصرة الرخوة" يقدم لنا خدمة غير مقصودة: فهو يذكرنا ان التهديدات تطورت من جيوش نظامية الى مليشيات عابرة للحدود وهجمات غير متماثلة، فهل ستتغير عقيدتنا العسكرية بنفس سرعة تغير هياكلنا؟ وهل نستطيع نقل الجيش من "عصبية الولاء التقليدية" الى "عصبية الكفاءة العصرية" دون ان نفقد الاتصال بالتراب الذي تنبع منه الشرعية؟ انها المعادلة الاصعب، لان الوفاء العاطفي اذا جف ينقلب الى قطيعة، والكفاءة المجردة من الروح تصير الة صماء.
والمزاج الشعبي – الذي ينتقل بين الفخر بالجيش والقلق من اي تغيير – يعيش هذه المفارقة بغريزته: يريد جيشا قويا يكفل الامن، لكنه يخشى ان تفقده التكنولوجيا روحه الانسانية. وهذا الشعور ليس ضعفا، بل هو انذار بان الهيكلة الناجحة هي التي تجعل الجندي القديم فخورا بحفيده البرمجي، لا غريبا عنه.
الهيكلة الاستباقية التي تتحدث عنها الرسالة الملكية ليست رد فعل على تحصينات العدو، بل هي سبق استراتيجي لفعله، لان الذي يملك جذورا في الارض والسماء لا ينتظر حتى يتحول جاره الى تهديد صريح، بل يفهم ان العالم لا يحترم الا من يتغير قبل ان يجبر على التغير. ونحن لا نبني جدرانا، بل نبني عقلا عسكريا جديدا قادرا على اختراق جدران العصر، لان ساحة المعركة لم تعد ارضا ممتدة فقط، بل صارت فضاء رقميا ومساحة نفسية، والجيش الذي يهيكل ليواجه هذه الساحات لا يبتعد عن جوهره، بل يوسع من تعريف الجندية نفسها: من حامل السلاح الى حامي السيادة بمفهومها الشامل.
ولكن، هل يكفي ان نغير الهياكل دون العقلية؟ الاخطر في الهيكلة ان تصير واجهة جديدة لعقلية قديمة، كان نلبس الجيش ثوبا رقميا بينما قلبه لا يزال ينبض بلغة القرن الماضي. ولذلك فإن القرار الملكي هو في عمقه دعوة لثورة ثقافية داخل المؤسسة العسكرية: ثورة تحول الشجاعة الفردية الى ذكاء جمعي، والوفاء العاطفي الى كفاءة مؤسسية، دون ان نخون الروح الاولى التي صنعت امجادنا.
فالشجرة المتجذرة التي تقلم اغصانها لا تفعل ذلك لان اغصانها مكسورة، بل لانها تستعد لعاصفة قادمة ترى ظلها قبل ان تهب. وهكذا الامة التي تجدد ادوات دفاعها: انها لا تحمي ارضها فقط، بل تحمي حقها في الاستمرار التاريخي في عالم لا يرحم الا الذين يتطورون دون ان يتنازلوا عمن هم.