
















اهلا
سوق المضاربات بصدد الحرب على ايران هي جزء منها
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
منذ العدوان الامريكي على فنزويلا واختطاف الرئيس مادورو، تسارعت التوترات على الساحة الايرانية الداخلية من احتجاجات شعبية، وأمريكيا واسرائيليا مع ايران على وتيرة خطاب يدعو الى اسقاط النظام الايراني، واعتبار الاحتجاجات مبررا لعملية عسكرية امريكية وقد تكون غربية واسرائيلية ايضا، ولها ابعاد اقليمية ودولية على مجمل النظام العالمي.
ترى الحكومة الاسرائيلية وبإجماع سياسي مع المعارضة الصهيونية بأن الوضع الافضل هو زج الولايات المتحدة في توجيه ضربة تقويضية للنظام الايراني وفقا للخطاب الاسرائيلي، وكفعل مكمل ستقوم الولايات المحدة بتوفير غطاء حربي جوي وبحري وصاروخي لاسرائيل. بناء عليه ورغم الاقلال من التصريحات العلنية الاسرائيلية بقرارمن نتنياهو فإن الاخير يروّج خدمة لنواياه الى احتمالية ضربة استباقية ايرانية ضد اسرائيل وهو ما يبرر له اعلان حرب مع ايران لا تستطيع الولايات المتحدة الفكاك منها.
وفقا للقناة 12 الاسرائيلية ونقلا عن مصادر امريكية رفيعة فإن الضربات الامريكية المحتملة قد تكون "عسكرية وكذلك اعمال سرية ضد ايران، ويشمل ذلك غارات مكثفة للطيران الحربي الامريكي وكذلك حربا سيبريانية وحملات نفسية وتأثير مكثف على الوعي لارباك بنية القيادة والسيطرة السيبريانية على وسائل الاعلام والتواصل الحكومي الايراني وتشويش عمل المنظومة الايرانية" واحتمالية ان يتم استخدام معظم اساليب الحرب بالتزامن. في هذا الصدد فإن الحرب الامريكية قائمة فعلا وتصريحات ترامب ونداءاته للايرانيين بأن "الاسناد قادم" ويدعوهم للتصعيد ضد بنبة النظام ومنشئاته.
تفيد صحيفة هارتس 13/1 الى بقاء مخرج لكن احتماليته ضئيلة، وهو العودة إلى المفاوضات المباشرة وإجبار النظام في طهران على تقديم تنازلات كبيرة في مجال تخصيب اليورانيوم. لكن الأمريكيين، مثل الإسرائيليين، لا يعتقدون إطلاقًا أن الإيرانيين مستعدون لتقديم تنازلات. فيما ان اسرائيل تعمل لافشال اية احتمالية من هذا القبيل.
يوحي الاعلام الاسرائيلي وحصريا موقع واينت 14/1 بأن الحكومة الاسرائيلية غير مطلعة على كامل الخطة الامريكية ولا على القرار الحاسم لترامب ووجهته النهائية ولا على موعد الضربة الامريكية في حال حصلت. مما قد يشكل مؤشرا الى ان ادارة ترامب في حال قررت الحرب على ايران فإنها تريدها على شكل ضربات تؤدي الى التفاوض، والامتناع عن حرب مفتوحة اقليمية. كما حصل في الماضي فإن الولايات المتحدة سددت ضربات محدودة وأتاحت لايران الرد على قواعدها في المنطقة بعد إخلاء الجنود منها. فيما لا يضمن هذا السيناريو عدم قيام حكومة اسرائيل بالتدخل حربيا بسلاح الجو واستخباراتيا فلصالح تأجيج الوضع في ايران داخليا ومقابل الولايات المتحدة. في هذا السياق من اللافت تصريح الوزير عميحاي الياهو الذي يشير الى احتمالية تواجد عملاء للموساد في ايران ويستهدفون رموز السلطة ومرافقها وخلق الفوضى.
تراهن اسرائيل على ان سلاح الجو قد دمر معظم منظومات الدفاع الجوي الايراني في حزيران/يونيو 2025، كما ان هذا الرهان يعتمد على التعيير الاستراتيجي لصالح اسرائيل عسكريا في لبنان وسوريا. هناك رأي في المؤسسة السياسية والامنية يدعو الى استغلال ذلك باعتبارية بنية تتيح لاسرائيل تسديد الضربات لايران دون ان تتعرض لضربات مضادة، فيما لا توجد ضمانات بأن الامر متاح بهذه السهولة ودون تعرض اسرائيل لضربات ايرانية جوهرية كما حدث في العام السابق. واذ يسعى نتنياهو الى اعتماد مبدأ التهديد المبطن الساحق ضد ايران فإنه يستغل ذلك سياسيا وانتخابيا، مع الترجيح بأنه في حال تعرضت ايران لغارات امريكية فإنها سترد على قواعد امريكية دون المخاطرة بحرب اقليمية ليست معنية بها أصلا وليست في صالحها في حال وقعت.
تخضع الأحداث في إيران لمتابعة اسرائيلية دقيقة، هناك استعدادات مكثفة في المؤسسة الأمنية خشية تصعيد قد يطال إسرائيل. ورغم تسريب التقارير عن الفظائع، يبقى من الصعب التكهن بما إذا كانت هذه نهاية النظام في طهران. فيما تشير التقديرات بأن اسرائيل غير قادرة على اسقاط النظام الايراني، بل حتى الولايات المتحدة غير قادرة على ذلك، بل يعتمد الامر على مشاركة الشعب في الاحتجاجات ووجود قوة قادرة على ذلك وهو ايضا مستبعد لحد الان للمدى القريب على الاقل.
في المقابل تقوم كل من السعودية وعُمان وقطر بالضغط على ترامب لثنيه عن الحملة العسكرية المحتملة والتي يصرح الاخير بها ضد طهران، وتدعو هذه الدولة للتفاوض مع ايران. تشكل هذه الدول قوة ضاغطة حقيقية على الادارة الامريكية لكن ليست حاسمة. فيما ان الدول الخليجية المذكورة وفعليا الدول العربية والاقليمية تعارض الحرب وتعارض اهدافها الامريكية بعيدة المدى. فيما القراءة العربية والاقليمية هي وجود مسعى امريكي استراتيجي سعيا لحسم المنافسة مع الصين والتكتلات التي تقودها او ترتبط بها مصلحيا وحصريا البريكس والتعاقدات بين الصين وروسيا وايران والهند والبرازيل وفنزويلا، ولن تتنازل الدول العربية والاقليمية عن هذا التعاون، ولا تريد أن يكون في وضعية الخطر نتيجة للتدخل الامريكي العسكري في ايران.
بطبيعة الحال الرئيس الامريكي ليس منشغلا بحقوق الانسان لا في ايران ولا فنزويلا ولا في دول العالم ولا في الولايات المتحدة ذاتها وحصريا في مسألة المهاجرين طلبا للعمل ولقمة العيش. إنه وادارته يسعون بشكل حثيث وعنيف الى هندسة النظام العالمي بعد نهاية نظام القطب الواحد، ويسعون الى فرض نظام عالمي متعدد الاقطاب لكن بهيمنة امريكية عليا اقتصاديا وتجاريا ومالياً نقدياً ونفوذا سياسيا. وللتنويه فقد أعلن مؤخرا بأن مجلس السلام برئاسة ترامب بصدد غزة سوف يتخذ لنفسه صلاحيات حل صراعات دولية اخرى، مما يشير الى ان فكرة النظام الدولي الجديد وفقا لواشنطن سيقوم على الحلول الامريكية لا الأممية، بما فيه تجاوز حاسم لمجس الامني الدولي وتحييد مركباته وحصريا الصين وروسيا.
اقتصاديا تجد اسرائيل ان اقتصادها يتعزز في المرحلة ما بعد الحرب مع ايران في العام الماضي وأن ثبات الشيكل وقيمته التبادلية المرتفعة مقابل الدولار واليورو هي مؤشرات ايجابية وفقا لاسرائيل. في حين ان احتمالية حرب امريكية على ايران تخدم هذا المنحى. بالاضافة اليه فإن العلاقات العسكرية والأمنية مع واشنط تشهد تغييرا جوهريا نحو الشراكة العسكرية وفي التطوير العسكري بدلا من المساعدات الامريكية العسكرية المعهودة وهو ما من شأنه للمدى البعيد توفير بنية لتعاظم قوة اسرائيل العسكرية والاقتصادية على السواء.
في الخلاصة؛ فإن الحرب الامريكية على ايران قائمة فعليا حتى ولو بأدوات غير عسكرية بالمفهوم التقليدي، ويبدو ان حربا اسرائيلية من هذا القبيل تجري ضد ايران، فيما الادوات السيبريانية وحرب الوعي نافدة ومؤثرة مع مؤشرات لتصعيدها.
احتمالات الحرب العسكرية المفتوحة والشاملة تبدو ضعيفة بينما اكثر احتمالية غارات مكثفة تستهدف مواقع ايرانية حساسة تتعلق بالنظام تتيح احتواء الرد الايراني باستهداف قواعد امريكية دون تعريض اسرائيل لرد ايراني مباشر عليها وتوريط المنطقة في حرب اقليمية دولية جديدة لا تريدها دول المنطقة وتضغط بدورها على واشنطن لدرء التصعيد.
تبدو الجهوزية الاسرائيلية عالية للغاية في حين تدفع الحكومة الى التصعيد امريكياً باعتباره الخيار الافضل، في حين السعي الاسرائيلي هو الدفع بترامب نحو حرب مفتوحة شاملة مع ايران تجعل الحالة الاستراتيجية الجيوسياسية هي الافضل لاسرائيل، وعلى اساسها يسعى نتنياهو للابقاء على حكمه سنوات الى الامام. فيما أن تعاظم العدوانية الامريكية المباشرة في المنطقة قد يدفع لتعزيز النهج العدواني في اسرائيل اقليميا، بما فيه تجاه مشروع تصفية قضية فلسطين، في حال استطاعت ذلك. فيما لا تتعزز وضعية اسرائيل في المنطقة لا عربيا ولا اقليميا.
في ملف غزة وفلسطين يبدو ان نتنياهو يستغل التوتر الامريكي الايراني للاذعان دونما قلاقل سياسية لاستحقاقات المرحلة الثانية من وقف الحرب على غزة.