
















اهلا-ناضل حسنين رصاصة في خاصرة الوطن
تعرفون، أيها السادة، ما الذي يبعث الرعب الحقيقي في هذه الأيام؟ ليس ذاك الرصاص الذي قد يخترق جسدي الهزيل، فما عاد في الجسد ما يستحق الاختراق. ولا ذاك الشارع الذي قد يشتعل فجأة بلهيب الجريمة، فقد أصبحت أنا، بفضل الله ونعمه، من سكان المنزل الدائمين، لا أغادره إلا للضرورة القصوى، أو لربما لأتأكد أن العالم ما زال يدور في الخارج.
الخوف الحقيقي، أيها السادة، أعمق من صوت الرصاص الذي يمزق سكون الليل، وأكثر فتكاً من أعداد القتلى التي تتكدس في نشرات الأخبار. الخوف الذي يقرص روحي، ويجعلني أرتجف كعصفور بلله المطر، هو ذاك التكاثر العجيب لأعداد المجرمين. هؤلاء الذين تتلطخ أيديهم بدماء الأبرياء، والضحايا، ثم يمشون بيننا مرفوعي الرأس، كأنهم فاتحون جدد.
إذا كانت كل جريمة، في هذا العالم القذر الذي نسميه "عالم الإجرام"، لا تتم إلا بمشاركة ثلاثة على الأقل، فأنتم لا تتحدثون عن بضعة عشرات. أنتم تتحدثون عن مئات، بل آلاف من الشبان الذين غاصوا في وحل الدم، ثم عادوا ليجلسوا معنا على موائدنا، ويشربوا من قهوتنا، وكأن شيئاً لم يكن.
في سالف الأزمان، كنت أقول، بسذاجة ربما، إن هؤلاء مجرد ضحايا. ضحايا إهمال حكومي مزمن، ضحايا شبكات تضامن اجتماعي ممزقة، وربما ضحايا عائلات لم تعرف كيف تربي إلا الوحوش. لكن اليوم، أيها السادة، هذا التحليل لم يعد يكفي. لم يعد منطقياً. لقد تجاوزنا مرحلة التحليل إلى مرحلة "يا ويلي".
مع مرور السنوات، ومع هذا الاستفحال المقرف للجريمة، تحولت هذه الشريحة، التي كنا نراها هامشية، إلى ما يشبه "نخبة" جديدة. نعم، نخبة! نخبة تسيطر على الحيز العام، وتتحكم في الخطاب العام. لا تكاد تجلس في مجلس، أو تحضر عزاء، أو حتى تتبادل أطراف الحديث في مقهى، إلا ويطرح اسم فلان الذي تعرض لأُطلاق النار، وعلان المهدد، وبسام الذي فرضوا عليه "الخاوة". لا يهم أين أنت، ولا ما هي المناسبة. بعد التحية والكلمات الباردة، ينتقل الحضور للنبش في هذا الموضوع كطبق رئيسي، لا مفر منه.
هذه الشريحة ليست غريبة عنا. ليست قادمة من كوكب آخر. إنها منا وفينا. تتحرك بيننا، تأكل من خبزنا، وتتنفس هواءنا الملوث. لكنها قررت أن تبيع كل شيء. نعم، كل شيء. مقابل حفنة من المال، أصبح كل شيء مباحاً. إعدام أب وابنته في مكان عملهما، كأنهما حشرتان. قتل فتى في الخامسة عشرة خرج ليتمشى بعد يوم دراسي، كأنه ورقة شجر يابسة. إطلاق النار على طفلة وهي نائمة في سريرها، كأنها هدف في لعبة فيديو.
حين يتجرد الإنسان من كل قيمة إنسانية، حين يصبح قلبه حجراً، وعقله مستنقعاً، يتحول إلى قنبلة موقوتة. قنبلة تمشي على قدمين، تتحرك بحرية تامة في الحيز العام، لا تخشى أحداً. يتحول إلى مجرد سلاح في يد من يدفع أكثر. من يملك المال، يملك الرصاص، ويملك الأرواح.
أتذكرون عندما سلحت إسرائيل ياسر أبو شباب في غزة وكلفته بأن يتولى السيطرة على القطاع كبديل لحماس؟ لقد اعتمدت على هذه الفئة بالذات. الفئة التي باعت ضميرها، وباعت كرامتها، وباعت كل شيء مقابل السلطة والمال. كان الهدف واضحاً: تحويلهم إلى الآمر الناهي في غزة. إسرائيل، أيها السادة، لم تخترع العجلة. التاريخ القريب والبعيد مليء بمثل هذه القصص. ميليشيات مسلحة جرى تمويلها ورعايتها، فقط لبسط السيطرة على مجتمعات كاملة، وتحويلها إلى قطعان.
أكثر ما يثير الخوف في هذه الجريمة المستفحلة، هو أن تتحول شريحة المجرمين، هذه النخبة" الجديدة، إلى الآمر الناهي في بلداتنا ومدننا. أن تصبح هي من تدير شؤون البلد، هي من يقرر مصائرنا. أن تصبح هي "أصحاب البلد" الحقيقيين، بينما نتحول نحن، نحن المواطنين العاديين، إلى مجرد رعايا. رعايا يستجدون منهم الأمان، ويطلبون منهم الرحمة.
صراعنا اليوم، أيها السادة، لم يعد فقط مع سياسات الدولة العنصرية التي تغذي هذه الشريحة وتربيها. لا. صراعنا اليوم أعمق وأكثر مرارة. صراعنا مع من يتاجر بدمنا، ويقبض ثمنه. صراعنا مع من يحاول الهيمنة على مجتمعنا، من داخل مجتمعنا نفسه. من لحمنا ودمنا.
ورسالتنا اليوم يجب أن تكون واضحة: أنتم لستم منا. ومطلبنا أوضح، كصرخة أم ثكلى: لا نريدكم بيننا. اذهبوا إلى جحيمكم الذي صنعتموه بأيديكم الملطخة بالدماء. اذهبوا، ودعوا لنا ما تبقى من وطن، قبل أن يتحول إلى مقبرة جماعية على يد "نخبتكم" الجديدة.
(هذا المقال مستوحى من منشور قرأته لأحد الاصدقاء، وفاتني أن أحفظه لأذكر أسمه هنا.. فإذا قرأ هذا الصديق الفحوى لا بد سيتعرف على الفكرة فليصرخ لأسمعه)