
















اهلا كأنها بداية نهاية الصهيونية
بيت القصيد: لا تهجير، لا ضم ولا استيطان
القرار (رقم 2803) الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي مؤخرا (بتاريخ 17/11/2025)، بأغلبية أعضاء المجلس، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، يعد علامة فارقة في تاريخ الصراع الفلسطيني – الصهيوني، بل حقا نقطة تحول يمكن اعتبارها، بشكل أو بآخر، بداية نهاية الصهيونية.
لسنا هنا بصدد كيل المديح لهذا القرار، ولا التغاضي عن نواقصه، أو القفز عن الهفوات أو المطبات التي وقع فيها. وقد أشار المندوب الروسي في مجلس الأمن إلى العديد من النواحي السلبية التي تنتقص من قيمة هذا القرار ومدى فاعليته. كما أن منظمات المقاومة والمعارضة الفلسطينية، غير التابعة لسلطة أوسلو في رام الله، فنّدت علنا الكثير من نواقص هذا القرار وملحقاته.
ولكن على الرغم من ذلك، وآخذين بقاعدة نصف الكأس الملآن، باستطاعتنا تصنيف هذا القرار، الذي جاء أصلا لإعطاء خطة ترامب للسلام في غزه بعدا دوليا، بأنه مرحلة مفصلية في الصراع مع الصهيونيين. فخلاصة ذلك القرار، على ما يحيط به، هي أن غزه ستُدار، أخيرا، في إطار شعار أو سياسة "لا تهجير ولا ضم ولا استيطان"، وهذا ما كانت إسرائيل تعلن صراحة إنها تسعى إليه في حربها على القطاع وأهله. وبالتالي تكون السياسة الإسرائيلية قد منيت بفشل ذريع، إن لم نقل أنها أصيبت في مقتل، في ما خططت له. وإذا أضفنا إلى ذلك القرارات والتصريحات القاطعة، المعارضة لضم الضفة يكون الفشل الإسرائيلي الصهيوني كاملا.
من المعروف جيدا أن نشاط الصهيونية، منذ نشأتها، كان استعماريا، اقصائيا، احتلالا وتوسعيا، وهذا ما عرفته فلسطين وأهلها منذ بداية الهجمة الصهيونية الاستعمارية عليهم. ولذلك ليست هناك مبالغة في القول أو التكهن بأن ضرب النشاط الاستيطاني التوسعي للصهيونية، ليس إلا بداية النهاية لهذه الحركة، وهي آخر الحركات الاستعمارية في العالم. ونتيجة كل هذه الإجراءات هي تحجيم إسرائيل وإعادتها إلى وزنها الطبيعي، ومن ثم اتقاء شرورها. لقد اعتاد بعض الزعماء الإسرائيليين على التبجح بأنهم يعيدون رسم خارطة الشرق الأوسط، إلا أن هذه التطورات الأخيرة تشير إلى أن ما سيتغير فعلا هو وجه إسرائيل، بل حقا أسسها.
ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل أن لها أبعادا أخرى، تمس وظيفة الصهيونية في المنطقة رمتها. لقد قامت العقيدة الصهيونية، التي سيطرت تماما على الدساسات الإسرائيلية، على أساس تقديم الخدمات للغرب الاستعماري ومساعدته في السيطرة على المنطقة ودولها وشعوبها، لقاء تقديم الحماية للدولة اليهودية. ولكن مع هذه التطورات الجديدة تبدو هذه "الفلسفة" وكأنها أفلست بأكملها. فهناك اتجاه واضح لدى القوى عالمية للتعامل مع كافة دول المنطقة، وليس بالطريقة التي تتمناها إسرائيل بالذات. والتخفيض في قيمة الكيان الصهيوني، نتيجة لذلك، واضح للغاية.
.
هذه المتغيرات الحديثة والعميقة لم تأت صدفة، بل أنها نتيجة مسارات ضاغطة أدت إلى إعادة النظر في سياسات الدول الكبرى، وعلى رأسها أميركا، في موقفها من إسرائيل. وتفيد بعض التعليقات الإسرائيلية أن الرئيس الأميركي الحالي ترامب، في سعيه لتخفيف أعباء الديون التي وضعتها أميركا على نفسها، وصل إلى قانعة مفادها، أن المال والثراء موجود مع الدول العربية والإسلامية، وليس لدى إسرائيل. ولذلك لا بد من التعاون مع تلك الدول، واخذ مصالحها ورغباتها بالاعتبار، مما يمهد الطريق للتعاون معها في مجالات عدة، لا تتلاءم بالضبط مع ما تسعى إليه إسرائيل.
ويبدو أن هذا التحليل الإسرائيلي لا يخلو من صحة، إذ يلاحظ بوضوح أن هناك عددا من الدول العربية والإسلامية الوازنة، من بينها قطر، ومصر، والإمارات، والسعودية، وإندونيسيا، وباكستان، والأردن، وتركيا، التي تتعامل مع أميركا بشأن غزه وفلسطين عموما. كذلك يلاحظ اتساع مدى العلاقات الحميمة بين السعودية والولايات المتحدة. وكان ولي العهد السعودي قد أكّد للرئيس للأميركي أن السعودية لن تنضم إلى اتفاقيات أبراهام التطبيعية مع إسرائيل، إن لم تلتزم هذه بسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية. وهذا معناه أن صبيانيات التطبيع مع الكيان الصهيوني قد توقفت. وليس في ذلك أي ضرر، من حيث انه يوقف إسرائيل عند حدها، ويقضي على أحلام اليقظة التي تسيطر عليها، بالقفز عن القضية الفلسطينية وتجاهلها.
هذا الوضع الجديد يفتح مجالات لم تكن متوفرة سابقا للعمل من اجل القضية الفلسطينية بكافة أبعادها. وهذا يتطلب عمقا ومرونة وبعد نطر يفترض أن تتحلى به كافة من تسمى قيادات فلسطينية. أن كافة ما قد يعتبره البعض قيودا، ا و "انتدابا" جديدا يفرض على فلسطين ليست، في نهاية الأمر، إلا إجراءات مؤقتة، وستزول في نهاية المطاف، إن آجلا أو عاجلا – وستبقى فلسطين لأهلها. وقوة الاستقرار الدولية هذه، المقترحة لغزه، قد تكون، مثلا، ضرورية للضفة أيضا – أي ما معناه انه لا يفترض معارضتها، بل السعي إلى توسيعها. ويبدو ذلك ضروريا للغاية في ظل تصاعد اعتداءات المستوطنين الشرسة على الضفة وأهلها من جهة وعجز من يسمى الممثل الشرعي الوحيد عن حماية مواطنيه من جهة أخرى.
هناك مسار دولي لحل القضية الفلسطينية آخذ في التبلور – ومن الضروري مواكبته. الفلسطينيون لم يستطيعوا تحقيق انجازات مباشرة تذكر في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وربما يستطيعون ذلك ضمن مسار دولي – بل يبدو انه لا يوجد هناك مسار آخر.
وفي نهاية الأمر، ينبغي تذكير ما تسمى قيادات أو مسؤولين فلسطينيين بالقول المعروف: السياسة هي فن الممكن.