
















اهلا هناك لحظات في التاريخ تُشبه تلك الدقائق الفاصلة بين الليل والفجر؛ لا يُعرف فيها إن كان العالم يستعد ليوم جديد أم يكرر دورة الأمس بملابس مختلفة. ورغم أن العالم حضر بثقله، فإن الغائب الأكبر كان ذلك الصوت الفلسطيني الموحد القادر على فرض شروطه، أو حتى الاعتراض على ما يُطبخ للغد. ترامب يعود إلى المسرح… ويقترح مجلس سلام دولي من اللحظة الأولى، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكأنه يعود إلى الشرق الأوسط مكلّفًا بمهمة تتجاوز وقف الحرب. لكن ما أهم من المجلس المقترح هو الشريك الذي أراده ترامب في هذا المشروع: ترامب ـ وفق مصادر مطّلعة شاركت في النقاشات الجانبية ـ عرض صراحة على ابن سلمان أن يكون شريكًا رئيسيًا في المجلس الدولي، ليس فقط لثقل السعودية السياسي، بل لأن واشنطن تدرك أن أي ترتيبات مستقبلية لغزة لا يمكن أن تتجاهل الدور السعودي، سواء في التمويل أو التوازنات الإقليمية أو معادلة العلاقات مع إسرائيل. ولم يُعلن السعوديون قبولًا ولا رفضًا، لكن الصمت السعودي كان أكثر بلاغة من أي بيان: العرب في شرم الشيخ… دعم مشروط وقلق مكتوم شارك العالم كله في القمة: الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الصين، روسيا، تركيا، قطر، مصر، السعودية، الإمارات، والأردن. مصر: تريد استقرارًا أمنيًا على حدودها قبل أي حديث آخر. قطر: تفضّل ترتيبات تحفظ دورها التقليدي في غزة. تركيا: ترى أن أي مجلس دولي يجب ألا يلغي دورها في الملف الفلسطيني. السعودية: تريد حلًا حقيقيًا، لا إدارة أزمة جديدة بوجه مختلف. أما أوروبا، فكانت تبحث عن “مشروع إعمار” يعيد لها نفوذًا غائبًا، بينما الولايات المتحدة كانت تسعى إلى صيغة تُعيد ترتيب المنطقة تحت سقفها، بمنطق إدارة الصراعات لا حلّها. ومع ذلك، اتفق الجميع على شيء واحد: غزة… بين إعادة الإعمار وإعادة الهندسة السياسية لم تأتِ القمة للحديث فقط عن الأنقاض والجسور والمستشفيات. فالحديث عن إدارة انتقالية ليس تفصيلاً عابرًا. الأمن والمعابر الإغاثة وإعادة الإعمار العائدات والموارد وحتى شكل الحياة المدنية والمؤسسات وبذلك، فإن غزة لن تكون مجرد ملف إنساني، بل مختبرًا دوليًا لإعادة تشكيل دور الفصائل وترتيب البيت الفلسطيني من الخارج. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: الانقسام الفلسطيني… الجرح الذي يفتح الباب للآخرين في كل مرة يجتمع العالم لبحثد مصير فلسطين، يطلّ الانقسام الفلسطيني كأنه الشاهد الوحيد الذي لا يغيب. لقد دفع الانقسام ثمنه الأكبر الآن: فصائلٌ ضعيفة، شرعية ممزقة، غياب رؤية موحدة، وتنافس على النفوذ بدل التنافس على صياغة المستقبل. العالم رأى ذلك بوضوح، ولهذا لم ينتظر الفلسطينيين ليقرروا: وهذا أخطر ما في المشهد. محمد بن سلمان… بين الدور الإقليمي والطموح الحذر طلب ترامب من ابن سلمان المشاركة في مجلس السلام الدولي ليس تفصيلاً صغيرًا. طرفًا عربيًا قويًا، يمتلك المال والقدرة على التأثير، ويمكنه دعم الاستقرار، وله علاقة متوازنة مع الجميع. لكن السعودية اليوم ليست السعودية قبل عشر سنوات. لذلك جاء الموقف السعودي حذرًا ولكن ثابتًا: لا وصاية دولية بلا مشاركة فلسطينية حقيقية. لا حلول تُفرض من فوق. ولا دور سعودي في ظل غياب رؤية واضحة ومتكاملة. من شرم الشيخ إلى القاهرة… العالم ينقل الملف إلى مستوى آخر من قلب القمة أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن مؤتمر القاهرة – نوفمبر 2025 لإطلاق خطة “التعافي المبكر وإعادة الإعمار”. وما بين شرم الشيخ والقاهرة، بدا وكأن العالم ينتقل من مرحلة “إعلان النوايا” إلى مرحلة “إدارة التنفيذ”. لكن تبقى المخاوف: الاختبار الأكبر… الشرعية الغائبة هناك فراغ كبير في الملعب الفلسطيني اليوم، فراغٌ لا يمكن للعالم أن يتركه دون ملء. من يملك حق تمثيل غزة؟ من يفاوض باسمها؟ من يوقع الاتفاقات؟ ومن يملك شرعية القرار؟ إذا لم تُجب الساحة الفلسطينية عن هذه الأسئلة بنفسها، فسيتكفل الآخرون بالإجابة. نقول: هل يعود الفلسطينيون إلى مركز المسرح؟ العالم يتحرك بسرعة، والمنطقة تُعاد هندستها على طاولة الكبار. الكرة الآن في الملعب الفلسطيني: قمة شرم الشيخ كانت بداية مرحلة… وليست نهايتها. لكن يبقى السؤال الأهم، السؤال الذي سيتوقف عليه كل شيء: م. غسان جابر - قيادي فلسطيني.
قمة شرم الشيخ – أكتوبر 2025 كانت واحدة من تلك اللحظات.
اجتمع العالم فوق رمال سيناء المطلة على البحر، لا دفاعًا عن غزة، ولا فقط من أجل وقف النار، بل لصياغة خريطة سياسية جديدة تتجاوز حدود القطاع إلى الإقليم كله.
فالرجل الذي يحب تقديم نفسه كـ“صانع صفقات العالم” جاء إلى شرم الشيخ وفي جعبته عرض يتجاوز حدود غزة: تشكيل مجلس سلام دولي لإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، يضم قوى عالمية وإقليمية، ويكون بمثابة “حكومة وصاية سياسية – أمنية – اقتصادية” ريثما تتضح ملامح المستقبل.
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
المملكة لن تقفز في مشروع يُعيد رسم خرائط الصراع دون ضمانات حقيقية لحقوق الفلسطينيين، ودون رؤية واضحة لطبيعة المجلس وصلاحياته وحدوده.
ولكن خلف الكلمات الدبلوماسية، كان لكل طرف حساباته الخاصة:
غزة لا يمكن أن تُترك بلا إدارة، ولا يمكن أن تُعاد إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
كان واضحًا أن الهدف هو إعادة هندسة غزة سياسيًا، ووضع خطوط جديدة لمن يملك السيطرة ولمن يُقدّم الخدمات ولمن يتفاوض باسم الناس.
الإدارة الانتقالية ـ سواء جاءت عبر مجلس دولي أو صيغة عربية – غربية مشتركة ـ ستتحكم في:
أين يقف الفلسطينيون من كل هذا؟
السلطة الفلسطينية حضرت في شرم الشيخ لكنها بدت كضيف شرف أكثر من كونها صاحب قرار.
أما الفصائل في غزة، فكانت موضوعًا للنقاش لا طرفًا فيه.
بل بدأ يفكر في بديل فلسطيني – دولي لإدارة المرحلة القادمة.
هو إشارة إلى أن واشنطن تريد:
هي دولة تتحرك بثقة، وتعرف أن أي خطوة في غزة ستُقرأ على أنها إعادة تشكيل لدور الرياض الإقليمي، وربما مقدمة لدور أكبر في الملف الفلسطيني كله.
هل ستتحول غزة إلى منطقة تحت إدارة دولية غير معلنة، ثم تتحول هذه الإدارة إلى أمر واقع؟
أم سيكون مؤتمر القاهرة بداية إدماج الفلسطينيين فعليًا في صياغة مستقبلهم؟
لكن تبقى الأسئلة:
وهذا ما يجب التنبه له قبل فوات الأوان.
لكن التاريخ علّمنا درسًا واحدًا:
من يغيب عن الطاولة يُوضع على الطاولة.
إما أن يتجاوز الانقسام، ويستعيد وحدته ورؤيته وصوته،
أو سيستيقظ على واقع جديد تُدار فيه غزة بقرارات خارجية، مهما كانت النوايا المعلنة طيبة.
وغزة اليوم ليست السؤال فقط، بل مفتاح ترتيب الإقليم.
ومن يفهم ذلك، يفهم لماذا يطلب ترامب من ابن سلمان الشراكة، ولماذا تتريث السعودية، ولماذا يتسابق العالم.
هل يعود الفلسطينيون إلى المسرح كفاعلين… أم يبقون مجرد ملف بين أيدي الآخرين؟