
















اهلا الكبسولة الثالثة والأربعون
الكعاكير ومباراة البول
أرجو ألا تكون هذه الكبسولة قد تجاوزت حدود الذوق والعرف! ولا يشفع لي إلا أنها شقاوة صبيان لا تخلو من براءة.
فرحت حين شرّفني أستاذي الكريم غازي ريّان (أبو حارث) قبل سنوات قليلة بزيارة مفاجئة لم تخطر لي على بال وسعدت. سعدت كثيرًا سعادة غير مأنوسة. كانت توليفة غريبة من تقدير كبير خالطه بعضٌ من حياءٍ وارتباك. لم يعملها الأستاذ غازي من قبل. وأنا أيضًا، والحقّ يُقال، لم أكسّر عتبات بيته. والكلام يجرّ الكلام أدركت بسرعة أنّ الرجل مرح بالفطرة، وما تكشيرته المعروفة إلا قشرة خارجيّة رقيقة. يعرف كيف يسحبك بتهكّمه المعدي وفكاهته السوداء المسحوبة من قلب المرارة والحموضة والملوحة. كان الأستاذ غازي يبدو متألّمًا وناقمًا، ناقمًا جدًّا، على ما وصلت إليه حالنا من تبعيّة وتردٍّ صارت فيه أمّتنا الإسلاميّة والعربيّة إمّعة متعبة مرهقة أنهكها الذلّ والهوان. وكان أكثر ما يغيظ الأستاذ غازي هو التغنّي بأمجادنا السالفة. كان يرى في هذا التغنّي ركونًا إلى عقليّة سلفيّة ماضويّة محبطة ومفلسة.
اتّفقت معه على هذا التشخيص على أن يتّفق هو معي على الذي كان السبب. والسبب كلّه وضعناه برقبة سلاطيننا و"أولي الأمر" منّا. هكذا اتّفقنا بالتالي. وهؤلاء السلاطين مثل "الكعاكير" بالضبط قال الأستاذ غازي، وقد فاجأني بهذا التشبيه البليغ العميق. [والحقيقة أنه بهذا التشبيه يتفوّق على تشبيه الشراشيح الذي ظننته الأفضل في كبسولة سابقة]. وتابع الأستاذ غازي يقول: كلّ "كعكور" منهم يختلف عن الآخر في ارتفاعه وحجارته و"صراراته التبشيميّة" التي تسنده ولون حجارته ونوعها وشكلها. لكنّها مهما اختلفت تظلّ في نهاية الأمر "كعاكير" لا تقيمها إلا بضع "صرارات". "والصرارة بتسند خابية" مثلما يقول المثل الشعبيّ. وكلّ "كعكور" من هذه "الكعاكير" التي "كعكروها" لنا وله يوم "سيكعر" فيه عن بكرة أبيه هو و"تباشيمه". وليسعفهم كبيرهم إن كان قادرًا على ذلك!! قال أبو حارث وضحكنا بمرارة.
و"الكعكور"، لكلّ من لا يعرفه أو يسمع به، هو عمود من الحجارة نرفع بعضها فوق بعض، حجرًا على حجر، حتى يصل أقصى مداه. وكلّما علا "الكعكور" بحجارته وارتفع ازدادت الحاجة إلى المزيد من "التباشيم" الدقيقة، واحدتها "تبشيمة"، وهي حصوات صغيرة أو كلّ ما يسند الحجارة ويثبّتها. (من هنا قولهم مثلا "خازوق مبشّم). وكلّما علت الكعاكير عظمت الرغبة في "كعرها" وهدّها.. فطرة غريبة!
أعجبني التشبيه كثيرًا وسحبني بقوّة إلى الوراء، حين كنّا مجموعة من الصبية الأشقياء نتبارى في كلّ شيء حتى الذي نهى عنه الله تعالى. كانت شقوتنا في الطبيعة الطليقة تحرّرنا وتغوينا فنصطفّ الواحد جنب الآخر ونقشط سراويلنا المرقّعة التي ضاعت ألوانها الأصليّة من كثرة الرقع. صِبية كنّا، تسحبنا براءة الأحراش والبطاح والربعان والأجران والموارس والكروم والمقاثي لتحرّرنا من عقدة الذنب والممنوع والعيب والحرام. نقشط سراويلنا المرقّعة ونتركها تسقط على الأرض لنتبارى في المدى الذي يصل إليه دفق البول. أجلّكم الله. نرفع بعدها سراويلنا ونسارع إلى بناء "الكعاكير" حجرًا فوق حجر بشقّ الأنفس. ولم نكن وقتها ندرك سرّ التلازم والتزامن بين اللعبتين. لم نفهم العلاقة بينهما ولماذا كنّا بالفطرة نسارع إلى بناء "الكعاكير" مباشرة بعد مباراة البول. وما إن ننتهي من بنائها حتى نصوّب إليها حجارتنا ونرميها بها حتى "نكعرها" كلّها. كنّا نجد متعة غريبة في هدّ هذه "الكعاكير" وبعثرتها. وكان هدّها يمنحنا شعورًا عميقًا تخالطه نشوةٌ غامضة مباغتة. نشوة يتمنّاها الواحد منّا حتى لعدوّه، فكيف لا نتمنّاها لأمّتنا كلّها من خليجها إلى المحيط ومن محيطها إلى الخليج؟! كيف؟!