
















اهلا
وقفتُ طويلًا في طابور انتظار لحظة العبور من إلى، وكلّ ما أعرفه هو أنّ القلب حزين! مع الأوجاع المحيطة تختلط عليّ الجهات، حتى لا أرى طريقًا سالكًا غير الطريق المؤدّي للهاوية! الدرب مظلم مزنّر بالموت ولا من رفيق رفيق يواسي المعذّبين، أو يبلّل شفاه العطاش للحياة.
في زمن قاصر عن كبح جماح الشرور يصبح الشجب والندب خُطبًا، والتنديد والوعيد مواعظ! في زمن يشرّع اصطياد فرص التدمير تنتشر الأبواق وترتفع الرايات فوق الأشلاء مستغيثة بالله المعين! وتكثر أصابع الاتّهام؛ فمن مشير لهذا بالتخاذل والقصور، وآخر لذاك بالتعاون والفجور... الكلّ يدلّ على الكلّ، ولا مَن يجرؤ على خرق حدود مزارع الدمامل! شيء من هذا يذكّرني بامرأة (في إحدى الدول العربيّة) تلقي بقمامة مجرودها من الطابق الخامس! وكانت هدية من السماء لم يتوقّعها المارّة في الشارع! وتُحمَّل السماء المسؤولية!
واقع هشّ ومهزوز وصّفه جبران خليل جبران، قبل مئة عام بقوله:
"وأكثر الناس قطعان يسير بها صوت الرعاة ومَن لا يمشي يندثرُ!
وما يزال الأمر جاريًا حتى الساعة! وهذا دليل على خلل بنيويّ في الذهنيّة الاجتماعيّة، ممّا يستدعي الوقوف على الأسباب الجذريّة العميقة. وهذه هي مسؤوليّة الموهوبين فكريًّا، وهم، كما يُفترض، أصحاب سلطة عقلانيّة تمكّنهم من تحديث مفاهيم التربية، ونسف الرواسب ذات التأثير السلبيّ. فإنّ تحييد قادة الفكر عن الصراعات العصريّة، ونفيِهم إلى أبراج خاصة، لا يعفي قادة الميدان من اعتماد مواقفهم العلميّة، والتأسيس عليها.
بناء على هذا أعتقد جازمًا أن لا إصلاح يُرجى إلّا بتعاون قوّاد السلطتين: المركزيّة والفكريّة المتنوّرة، شريطة ألّا يكون الهدف كرسيًّا في واجهة الشهرة. هذا هو أساس منطق التغيير للأفضل.
وعلى الهامش تحضرني حكاية سمعتها من رجل إيراني، قال: وصل رجل إلى المطار ومعه حِمل من البضائع... فاستوقفه موظف الجمارك: عليكَ أن تدفع ليرة! فرفض! وما كان من الموظف غير تمرير البضاعة بالعدّاد... فقال: عليك أن تدفع عشر ليرات! فدفع صاغرًا، وعلّق: "عشرة بالحقّ ولا ليرة بالباطل"! بهذه الرمزيّة أختم.