
















اهلا-رانية مرجية
قراءة نقدية وجدانية موسّعة في نصّ “تحت العريشة سوا…” – عفيفة مخّول خميسة
بقلم: رانية مرجية
أولًا: النص كبيتٍ يتجاوز المادّة
في نصّها “تحت العريشة سوا”، لا تكتب عفيفة مخّول خميسة عن بيتٍ محدّد بحدوده المادّية، بل عن كيان وجودي: بيت من التراب والندى، تظلّله أشجار التين والليمون والعنّاب، يتّسع للجيران والغرباء، يفتح أبوابه لللاجئين، ويصير فضاءً يتجاوز الحدود والخرائط.
البيت هنا وطن مصغّر، هو فلسطين الجليلية بكل تفاصيلها، وهو أيضًا مقام وجداني صوفي، حيث الأشجار والطيور والغيوم ليست عناصر طبيعية فحسب، بل شهودٌ ومشاركون في بناء الهوية.
ثانيًا: الرمزيّة الكثيفة – بين البيت والوطن
يستعير النص جماليات التراب والشجر والنور ليؤسّس شبكة رمزيّة:
البيت وطن مشرّع لا يعرف جوازات سفر، كما لو أنّه حلمٌ بفلسطين متجاوزة الاحتلال والجدران.
البيت قلعة تسجد فيها أهواء الجيران من الجولان ولبنان، أي مساحة مقاومة وصمود.
البيت معراج يربط الأرض بالسماء: “سطح بعض سمائه عريشة تصلّي”.
بهذا المعنى، النص يقدّم جدليّة الحميمي والكوني: بيت بسيط من الطين، لكنه في الوقت نفسه محور كون صغير يدور حوله النور والريح والغيم والجدّان والحياة.
ثالثًا: جماليات اللغة – أنسنة الطبيعة
النص مكتوب بإيقاع غنيّ بالاستعارة:
“ولاية جبليّة يسكنها الخوخ والقراصية والمشمش والرمان متعانقين إخوان”، حيث تُشبَّه الأشجار بالبشر المتعانقين، في إشارة إلى الانسجام والوحدة.
“ذراع من النور تساجل العاصفة”؛ صورة مكثّفة للصراع بين الأمل والخوف.
“شبكة لصيد الغيوم الشاردة”؛ إعادة صياغة للحلم البشري البسيط بالخصب والبركة في مواجهة الحرب والجفاف.
هذه اللغة تشبه الغناء، حيث ينساب النص كتراتيل جماعية، أقرب إلى النشيد الكوني.
رابعًا: حضور الجدّين – الذاكرة ومواجهة الحرب
الجدّان يجلسان على العتبة، يقرأان الطقس بالفطرة، يسمعان أصوات الحرب ويترجمانها كأنّها أصوات الطبيعة. في لحظةٍ بالغة الرمزية، يختلط قصف القذائف بقصف الرعد، ولهيب الحرب بالشهب. هنا يُعرّي النصّ قساوة الحرب التي تحاول التسلّل إلى حياةٍ عاديّة، لكن الجدّين يصرّان على حماية البيت بالذاكرة والحكمة.
خامسًا: البنية الصوفية – العريشة كمعراج
النهاية تضعنا أمام ذروة النص:
“سوا يستسلمان، سوا يغفوان… وسوا سينهضان ويصعدان سطحًا بعض سمائه عريشة تصلّي.”
هنا البيت لا يعود مكانًا أرضيًا، بل مقامًا سماويًا. العريشة تصير محرابًا، والسطح يصير سماءً أخرى. البيت لم يعد ترابًا بل طقسًا روحانيًا يواجه الموت بالحبّ، والحرب بالصلاة.
سادسًا: مقارنة نقدية مع تجارب فلسطينية أخرى
محمود درويش
عند درويش، البيت كثيرًا ما يظهر كرمز للغياب والفقد (“البيت ليس لي وحدي”). بيوت درويش مهدومة أو مسلوبة، والحنين إليها محفوف بالفاجعة. بينما في نصّ عفيفة، البيت لا يُهدم، بل يُقدّم ككيان مقاوم، مشرّع الأبواب، قائم رغم القذائف. إذا كان درويش يرى في البيت “ذاكرة مهدّدة”، فإن عفيفة ترى فيه “ذاكرة حيّة عصيّة على الطمس”.
سحر خليفة
تكتب سحر خليفة عن البيت بوصفه مساحة أنثوية مقموعة، أو مكانًا للصراع الطبقي والاجتماعي، حيث البيت يصبح ساحة جدل بين السلطة والمقاومة. في نصّ عفيفة، البيت ليس ساحة قهر بل حضن أمومي، بيت يساوي بين البشر والطيور والأشجار. إنّه بيت أمومي كوني أكثر منه بيتًا اجتماعيًا.
فدوى طوقان
البيت عند فدوى مرتبط بالحنين والفقد الشخصي، بالذات المنكسرة أمام الحرب والغربة. أما عفيفة فتُعيد صياغة البيت كـ جماعة متماسكة، حيث الطبيعة والإنسان في تحالف وجداني ضد الخراب.
سابعًا: القراءة الوجدانية
نصّ “تحت العريشة سوا” لا يكتفي بأن يكون سردًا وصفيًا، بل هو إعلان وجداني: أن البيت أكثر من جدران، أنّه هوية متجذّرة في الأرض، أنّه فضاء حبّ مشترك، وأنه مهما حاولت الحرب أن تسرق ضوءه، يظلّ محروسًا بالجدّين، بالعصافير، بالعريشة التي تصلّي.
خاتمة
النصّ هو تراتيل بيت ووطن، هو قصيدة نثرية تفتح أبوابها للقارئ كما يفتح البيت أبوابه للضيف، وتحوّل العريشة إلى معراجٍ سماوي.
إذا كان أدبنا الفلسطيني قد عرف أشكالًا متعدّدة لتجسيد البيت: بيت المنفى عند درويش، بيت المرأة المقموعة عند سحر خليفة، بيت الحنين عند طوقان، فإنّ عفيفة مخّول خميسة تقدّم لنا بيتًا يقاوم بالحبّ، ويصلي بالندى، ويُقيم صلاة الحياة ضدّ موت الحرب