
















اهلا أعمار قصيرة... وحنين لا ينتهي بقلم: المهندس غسان جابر العلماء في مكان ما من هذا العالم يحاولون إطالة العمر البشري، لو عاش الفلسطيني مئتي عام كما يحلم أهل السيليكون فالي، في أماكن أخرى، التاريخ يُكتب في كتب. يريدون من الفلسطيني أن "ينسى الماضي"، ثمة شيء عبثي في هذا العالم: في بلادنا، كل بيت هو أرشيف، لهذا، ربما جعل الله الأعمار قصيرة. لكننا – رغم قِصر أعمارنا – لم ننجُ من وطأة الذاكرة. نعم، أعمارنا قصيرة. م. غسان جابر - مهندس و سياسي فلسطيني - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية - نائب رئيس لجنة تجار باب الزاوية و البلدة القديمة في الخليل.
ربما علينا أن نشكر الله على أن أعمار البشر لا تطول.
ثمانون عامًا بالكاد تكفي لتذكُّر أسماء الأحفاد، لكن في فلسطين؟
تكفي لتذكر أسماء الشهداء، وتفاصيل المجازر، وخيبات التفاوض، ورائحة البيت الذي اختفى قبل أن تتعلم كيف تتهجى كلمة "وطن".
لكنهم لم يعيشوا يومًا في خيمة لجوء،
لم ينتظروا على حاجز عسكري،
لم يروا قنبلة ذكية تقتل طفلاً غافياً وتُبقي السقف معلقًا في الهواء.
لاضطر إلى ابتلاع قرنين من خذلان المجتمع الدولي،
وإعادة قراءة بيانات الشجب التي لا تشجب،
وتحمُّل المزيد من دروس الأخلاق من جُناة يرتدون بدلات رسمية.
في فلسطين، التاريخ يُدفن في المقابر الجماعية ويُنسى في الأرشيفات الدولية.
تقول لهم: "كان لي بيت في حيفا"،
يردون: "كن واقعيًا!"
وكأن الواقعية تعني أن تتخلى عن ذاكرتك مقابل حفنة دولارات ومعبر مفتوح لساعة واحدة.
بينما يُكافأ من يحلم بماضٍ عمره ثلاثة آلاف عام.
هم يُعيدون رسم خرائط أنبيائهم،
ونحن ممنوعون من تعليق خريطة فلسطين على الحائط دون أن تُصنَّف "تحريضًا".
يُطلب من الضحية أن تكون حكيمة،
ومن المقهور أن يُظهر ضبط النفس،
ومن الطفل أن يعتذر لأنه نجا من الغارة.
وكل عجوز هو نسخة بشرية من النكبة،
وكل مفتاح حديدي يُساوي مجلدًا من قرارات الأمم المتحدة غير المنفذة.
لأن الذاكرة، حين تطول أكثر من اللازم، تصبح عبئًا على القلب،
وسببًا كافيًا للجنون.
جنّ الفلسطيني لأنه لم يُعطَ فرصة النسيان،
لأن العالم يطالبه أن يتجاوز، دون أن يرفع عنه الظلم،
أن يُسامح، قبل أن تُعاد له الأرض،
أن يُطفئ حرائقه الداخلية، بينما يشعلون حوله كل شيء.
لكن في فلسطين، الوجع يُسرع الزمن،
والذكرى تكبر أسرع من الأولاد،
والحنين، وحده، لا يشيخ.




