
















اهلا
زياد الرحباني، مناضل تمتع بمميزات فكرية وثقافية وفنية موسيقية وإبداعية غير عادية. خاض غمار الصراع الطبقي وفق منهج علمي ومشروع وطني ثوري مع حزبه الشيوعي والحركة الوطنية اللبنانية وقوى التحرر العربية، لكن، ضمن فلسفة خاصة أجبرتنا على التعلق بها والتمثل بصاحبها لحد التلبس. وإستحق عن جدارة أن يكون أحد أبرز المثقفين الذين اشتغلوا على تحليل "البيان الشيوعي" لماركس وإيصاله إلى الناس بأبسط الصيغ والعبارات. وعلى الترجمة النضالية الميدانية ل "ما العمل" للينين. وكان إنموذجاً ثورياً فريداً في معركة المصير الوطني، وثورة دائمة في حقل الإبداع الفني والتاليف الموسيقي والكلمة النقدية الحرة والنص المسرحي والمقالة القصيرة والبرامج الاذاعية والأغنية الواقعية الشعبية.
زياد الرحباني، عزف منفرداً خارج سرب التقليد والجمود والثوابت موروثة. وأوصل فكرته لكل الناس، في كل الأوطان، من دون حواجز. بلغة إهتمت بالتفاصيل وأصابت صميم الزمان والمكان، بحيث انها دخلت خلايا العقول وصمامات القلوب راضية عن طيب خاطر، وعن وجع الحرب الأهلية والواقع السياسي والاجتماعي والإنقسام ومعاناة الناس. ولإن زياد شيوعي الإنتماء والهوية الطبقية فإنه ترجم فلسفته بلسان العمال والكادحين والفقراء والمناضلين والمقاومين، وقام بدوره النضالي كمثقف ثوري. وهذا بالتحديد، ما جعل زياد طليعياً في مقدمة النضال الوطني والاجتماعي، واستحق أن يكون "صوت الشعب" و"فنان الشعب" و" ملهم الأجيال"
و"ملك الساحة الثقافية الوطنية"، ورافعة ثورية ، في مسيرة نضال الشعوب من أجل "وطن حر وشعب سعيد".
زياد الرحباني، ديالكتيكي صعب.الفكرة الثورية عنده بسيطة ومركبة، سهلة ومعقدة. لكنها واضحة سياسياً وطبقياً، أكانت في
الكلمة أو في النص والمقالة والموسيقى والأغنية. كان زياد فلاحاً مقتدرأ، يفلح الأرض ويزرع بذور الوعي في حب المقاومة الوطنية لحصاد التحرير. وكان عاملاً ماهراً في ورشة النضال الديمقراطي للمشروع الوطني من أجل التغيير الديمقراطي والاشتراكية.
زياد الرحباني، حالة فريدة لا شبيه لها. فرض نفسه علينا عن حب وقناعة وسلاسة. ننتقده ونحبه. نحاول تقليده فنفشل. ونسعى لمجارته بصراحته وأسلوبه وإبتكاراته وإنتقاداته فلا نقدر. زياد شخصية نادرة في الحياة لا تتكرر. هو موجود فينا، بكل جملة من مسرحياته، أو أغنية من تأليفه وتلحينه، أو قطعة موسيقية غزلها على منوال صومعته.. وزياد موجود في كل بيت وشارع وحارة ومقهى ومسرح ومدرسة وجامعة ومعمل ومظاهرة ومعتقل في لبنان وفلسطين والوطن العربي والعالم. زياد جعلنا أبطال مسرحياته بعد أن حفظنا أدوارنا عن ظهر قلب. وما زلنا لحد اللحظة نلعب شخصياته ( شخصياتنا) على مسرح الصراع الطبقي، ونردد حوارات (زكريا الكلكلي، أبو الجواهر، أبو الزلف، أبو ليلى، رشيد، نور، القاعدة..) ولنصبح نحن "عباس وفهد والكولونيل خليفة ومدام جريديني وعنايات وزهرة وثريا وبركات ورامز والمختار.." كرموز في هذا الصراع الرأسمالي الوحشي في قتل الطموح وخطف المستقبل. لكن، و"بصراحة"، بقى لدينا حلم الثورة لا يفارقنا رغم الآم الواقع وإنكساراته، وموجبات التحرير والتغيير ومتطلباته النضالية. فالبحث عن "الحقيقة الثورية" هي المبتدأ والخبر في مسيرة زياد الرحباني النضالية والثقافية الوطنية والأممية العظيمة.
بعد رحيلك يا رفيق زياد الرحباني و" بما إنو" رحلة النضال أصعب ومعقدة أكثر" و"لولا فسحة الأمل" المتاحة مع "الشعب المسكين" الصامد المقاوم العنيد، بخصوص، إنتزاع حريتة وديمقراطيتة ووحدته وعدالته في لبنان وفلسطين والمنطقة العربية والعالم ، والمتمسك بكرامته الوطنية والإنسانية لمتابعة مشوار كشف الحقيقة الثورية والتحرر الوطني والاجتماعي.
إلى الرفيق زياد المثقف الشيوعي الثوري العنيد، والفنان الملتزم المبدع العتيد. نحن 160% من الفقراء مدينون لك مدى الحياة، لما أطعمتنا من مغذيات وفيتامينات ولقاحات فكرية وثقافية وفنية إبداعية لإكثر من نصف قرن.. والتي شكلت مضادات حيوية ضد الإمبريالية والصهيونية والتطبيع والإرهاب والبرجوازيات التبعية والطغمة المالية والاستغلال الطبقي والطائفية والمذهبية.. لن نستطع أن نرد لك ديونك إلا بالوفاء لمسيرتك الكفاحية، والمزيد من الحرص على فكرك الماركسي وأصالتك وعراقتك ونقدك وترائك الثقافي الإبداعي (خصوصاً من بعض المزايدين الإنتهازيين، والمنتفعين والمسترزقين، والفاقدين لهويتهم الفكرية والثقافية، والحاقدين على الحزب الشيوعي اللبناني..) ، وبالمزيد من المحبة والعرفان بجميل صنعك وتخليد ذكرك.
فمن كتب التاريخ المرصع بذهب النضال والمقاومة والثقافة من أجل الحرية والقضاء على الاضطهاد والاستغلال الطبقي وبناء الاشتراكية، سيبقى حياً فينا، وملهماً لإجيال تنجب أجيالاً ترتل الحانك وتردد كلماتك، وتغني مع فيروز من كلماتك والحانك أغنية الوداع :
"بكرا برجع بوقف معكن
إذا مش بكرا اللي بعدو أكيد
إنتو حكوني وانا بسمعكن
حتى لولا الصوت بعيد.
وداعاً كاماراد زياد الرحباني، دمعة وعلم أحمر وكوفية ومنجل ومطرقة وبيانو ووردة وتحية أممية.