
















اهلا-د. جمال الشريف بروفيسور إبراهيم طه
رئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها
في جامعة حيفا وأستاذ مادّة السيميائيّات
الكبسولة الأولى
مدّ الحبل بين المصيبة ونصفها
أنشر مقالاتي النقدية الأدبيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والفكريّة منذ اثنين وأربعين عامًا في صحيفة الاتحاد الحيفاويّة وبعض المواقع العربيّة. سأعيد نشر بعضٍ منها هنا بصيغة موجزة في كبسولات تتفاوت في عمقها وأسلوبها وتوجّهاتها المعرفيّة. لم يرق لي مصطلح "تغريدة" المعروف منذ زمن. لا أعرف إذا كنّا في زمن يصلح فيه التغريد أصلًا. وهل هناك سبب يجعلنا نغرّد؟ كلّ تغريداتنا هي نواح وتفجّع ويأس وشكوى وحنين وغضب. إذا كان الواقع مَرَضيًّا يحتاج إلى شيء من دواء فالكبسولات أولى وأدلّ من التغريدات على توصيف الحالة لأنها في تعريفها البنيويّ تجمع الداء والدواء.
مدّ الحبل بين المصيبة ونصفها
هي ثلاث قواعد قبليّة لأيّ حوار سياسيّ عندنا: (1) الغاية القصوى لأيّ حزب سياسيّ هي تحصيل أجندات أيديولوجيّة محدّدة. وهذه لا بدّ أن يسبقها تقعيد فكريّ نظريّ مفصّل. ما يعني أنّ كلّ حزب هو بطبعه فعلٌ حِواريّ جدليّ بين الأيديولوجيا واستراتيجيّات تحصيلها. (2) كلّ تقعيد فكريّ أيديولوجيّ لا بدّ أن ينسل من الهويّة الجمعيّة، ينسل ويتناسل. وكلّ استراتيجيّات التحصيل هي مسألة براجماتيّة. والبراجماتيّة هي دالّة شرطيّة تاريخيّة بالضرورة. (3) الدرس الأول في مادّة "سياسة الهويّة" (Identity Politics) هو النظر إلى الهويّة بوصفها وعيًا غائيًّا ينبعث أصلًا من نزعة البقاء (Survival) بمفهومه السيميائيّ العضويّ الشامل. الهويّة فعل سياسيّ ثقافيّ اجتماعيّ ونزعة البقاء غريزة وطبيعة وفطرة. الهويّة أنتروبولوجيا ونزعة البقاء بيولوجيا.. ومتى كانا على انفصال؟!
ليس هناك اختلاف حول التوليفة الثلاثيّة لهويّتنا الكلّيّة لأنها حقيقة، بعضها موهوب وبعضها مكتسب. ولا ينبغي أن يكون. وهذه التوليفة الثلاثيّة هي الحدّ الأدنى الذي نلتقي عنده كلّنا للبدء بأيّ فعل ميدانيّ جمعيّ. المركّبان القوميّ العربيّ والوطنيّ الفلسطينيّ موهوبان بالفطرة، وُلدنا فيهما ومعهما، ينتقلان جيلًا فجيلًا بالتوريث. المركّب المدنيّ الإسرائيليّ مكتسب بقوّة الظرف التاريخيّ. الاختلاف بين الأحزاب هو في كيفيّة النظر إلى هذه المركّبات وترتيبها في بنية الوعي. اختلافٌ يُفضي إلى خلاف حول استراتيجيّات العمل السياسيّ. الخلاف، في محصّلته النهائيّة، يتحلّق حول الحدود القصوى التي قد يمتدّ إليها الحبل البراجماتيّ الواصل بين الهويّة والممارسة. تطويل الحبل أو تقصيره هو نفسه مسألة شرطيّة ظرفيّة وليس ثابتًا في حركة امتداده. البراجماتيّة تقوم أساسًا على اثنتين: المعرفة والوعي. معرفة الواقع الظرفيّ والوعي بشرطيّة هذا الواقع. أقصد معرفة الواقع، أي الإحاطة بما يحصل فيه، ثمّ ترجمة هذه المعرفة إلى قرار واعٍ محسوب بضرورة التفاعل مع هذا الواقع بآليّات تتناغم مع تفاصيله.
أول أشراط البراجماتيّة هو العقل وينعكس. أعني أنّ العقل براجماتيّ بطبعه. المشكلة في الأيديولوجيّات السلفيّة القبْليّة، بصرف النظر عن وجهتها الأيديولوجيّة، أنها تموضع العقيدة فوق العقل. لا يمكن لأيّ فكر، إن هو أراد البقاء، أن يجعل المعتقد والموقف فوق العقل. العقل هو ما يكتب المعتقد أصلًا وهو ما يُنتج الموقف ويرسّم حدوده وآليّات تحصيله، ولا ينعكس. وما يحمي الفكر من التفكّك على أرض الواقع هو العقل لأنه بطبعه مرن متبدّل يعرف كيف يناور الظرف. قوّته في أنه يملك آليّة بنيويّة للتغيّر والتكيّف وفق شروط الواقع ومستلزماته. وهذا ما يمنحه القدرة على تشغيل نزعة البقاء عند الأفراد والمجاميع على السواء. لكنّ العقل ليس فوضويًا. تلك الآليّة البنيويّة هي نفسها التي تحميه من التحلّل والتفريط بالضوابط. التغيّر لا يعني الهدم بمقدار ما يعني التراكم والتجاور. لا يمكن للعقل السويّ أن يهدم نفسه إلا إذا كان مريضًا معتلًّا، خلاياه تهاجم نفسها بنفسها. يعرف العقل كيف يصحّح مساره بما يتساوق مع المحظورات التي يضبطها ويحدّدها لنفسه.
والمحظورات السياسيّة، في التعامل المدنيّ مع الدولة الإسرائيليّة، موصولة بالمركّبين القوميّ العربيّ والوطنيّ الفلسطينيّ في هويّتنا الجمعيّة. هذان المركّبان خطّ أحمر أو أسود لا يجوز تجاوزه باسم التقيّة أو التشاؤل أو الخيال الشرقيّ أو نصف المصيبة. تجاوزهما تحلّل من الفطرة. وهذه حالة مرَضيّة قد يُصاب بها بعضهم. لا حاجة لنا بقائمة واحدة مشتركة لا تعرف كيف تنضبط بضوابط الهويّة. لا حاجة لنا بقائمة مشتركة قيمتُها القصوى بعدد أعضائها في الكنيست. نحن في مسيس الحاجة إلى تحالفات تُنعش الهويّة وترمّم الوعي بها. ومن لا تسعفه مداركه في الالتزام بهذا الشرط لا يستطيع أن يكون شريكًا في أيّ نضال سياسيّ.