















اهلا يعجز عنها العرب ... فيتولاها العجم
‐ «لا فضل لإعرابي على عجمي إلا بالنضال» -
** كتب الباحث المؤرخ دكتور صبري جريس (فسوطة)
إيران وحدها تتصدى، في ظل الانهيار العربي، لمحاولات تدوير الاستعمار الغربي وإحلاله مجدداً في المنطقة
لا تكرهوا شيئاً لعله خير لكم. بل لعلنا أمام مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط والمشرق العربي.
الحرب التي شنها المستعمرون الكبار (أميركا) والصغار (إسرائيل) على إيران باءت بالفشل، وأسفرت عملياً عن انتصار إيران بعد دحر العدوان وتلقين المعتدين دروساً لم تخطر على بالهم. والانتصار الذي حققته إيران هو نسبي طبعاً، بالمقارنة مع ما كان مخططاً لها، واتضح أن المستعمرين غير قادرين على تنفيذه.
قبل نشوب هذه الحرب تعرضت إيران مؤخراً، وعلى وجه التحديد منذ استلم ذلك الوعل ترامب رئاسة الولايات المتحدة مجدداً، مع بداية هذا العام ٢٠٢٥، لضغوطات مختلفة بهدف تحجيمها وتهميش دورها في المنطقة. وتركّزت هذه الضغوط أساساً على تقييد نشاط إيران في المجال الذري لمنعها من امتلاك قنبلة ذرية، وهو ما تؤكد إيران، منذ فترة طويلة، أنها لا تسعى إليه أساساً. إلا أن هذه الضغوط تشمل أيضاً محاولات لمنع إيران من تخصيب اليورانيوم في أراضيها، وهو ما ترفضه لأنها بحاجة إلى ذلك لإغراض مدنية، وخصوصاً إنتاج الكهرباء بعد أن ينتهي عصر النفط، خلال عقدين أو ثلاثة.
وقبل هذه المواقف الأخيرة، ومنذ أكثر من عقد، يدور الحديث والتبجح عالياً بالمخططات الرهيبة التي تعدها الاسرائيل لضرب إيران، متمنية مشاركة أميركا فيها. وحتى لا نطيل الحديث، كان الهدف من الهجوم المباغت، الذي شنته إسرائيل، بمعرفة أميركا وتشجيعها، هو القضاء على البرنامج الذري الإيراني، ثم تدمير البرنامج الصاروخي والمسيّرات وما شابهها، وأخيراً حتى إسقاط النظام الإيراني (كذا!). ولكن المعتدين فشلوا، ولم ينجدهم حتى قصف المواقع النووية الإيرانية من قبل أميركا. وبعد ٩ أيام فقط من نشوب الحرب كانت إسرائيل تلمح صراحة إلى استعدادها لقبول وقف إطلاق النار، بعد أن تم قصفها بنحو ٥٥٠ صاروخاً باليستياً إيرانياً، من عيارات وأنواع مختلفة، أصاب عدداً منها أكثر من دزينة من المواقع والمنشآت الإستراتيجية الحساسة، كما أحدثت دماراً هائلاً في العديد من المدن الإسرائيلية. وتلك أضرار ليس باستطاعة إسرائيل أن تتحمل مثلها كثيراً.
إن نظرة أعمق إلى هذه الأحداث تكاد تذكّر بالدسائس والمؤامرات الاستعمارية، التي حيكت ونفّذت، قبل نحو قرن من اليوم، خلال عشرينات القرن الماضي، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وأسفرت عن تقطيع أوصال المشرق العربي وتقسيمه إلى عدة دول (العراق، سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين). ولكن هذه المرة دون جدوى للمستعمرين.
أدى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، في حينه، نهاية سبعينات القرن الماضي، إلى إسقاط نظام الشاه (المتعاون مع الاستعمار والصهيونية) وإنشاء نظام حكم جديد معاد للاستعمار الغربي خاصة وإذنابه من العرب وغيرهم في منطقة الشرق الأوسط عامة. وأثار هذا الوضع الجديد مخاوف لدى تلك القوى على مصالحها، مما دفعها لاتخاذ إجراءات مضادة. ولم تمر إلاّ فترة قصيرة على انتصار الثورة حتى قام عراق صدام حسين بشن حرب شاملة على إيران، بهدف إسقاط نظام الحكم الإسلامي، استمرت بضعة سنوات. وقد هزمت إيران في تلك الحرب، التي ساهمت دول الخليج العربية في تمويلها، ومن ضمن ذلك دفع أثمان الأسلحة التي حصل العراق عليها من الدول الغربية، وخصوصاً الأوروبية منها.
إلا انه لم يمر إلا وقت قصير حتى راحت أوضاع الخليج تتخذ منحى آخر. فقد قام صدام بغزو الكويت في بداية التسعينات، فانكسر الدف وتفرق العشاق في الخليج. وعلى اثر ذلك نشبت حروب العراق، التي قادتها هذه المرة أميركا، بمساعدة خليجية، وخصوصاً سعودية، نشطة. واستمرت هذه الحرب نحو ١٥ سنة، انتهت بما يمكن وصفه باحتلال العراق وتدمير طاقاته.
وقد استغلت إيران هذه الفترة، التي ابتعدت فيها الأنظار عنها وتركزت على صدام، أحسن استغلال، فطورت برامجها الذرية والصاروخية بصورة غير مألوفة. وعندما انتبه الخصوم لذلك كان السبت قد فات ... ولكن، رغم ذلك، لم تتغير مواقف الخصوم والمعارضين كثيراً. بل لا زال هناك "تحالفاً" للمعارضين لإيران، الذين يحاولون التنكر لها وفرض القيود عليها وتحجيمها. وهذا "التحالف" عجيب غريب، يضم مستعمرين قدامى وعربان متخاذلين، وجذوره قديمة، تعود إلى أكثر من ٤٠ سنة للوراء.
ولعل اكبر دليل على هذا التآمر والتخاذل والخنوع، والتبعية العميقة للاستعمار (وبالتالي إسرائيل) يكمن في تلك المواقف التآمرية، التي يتخذها جيران إيران العربان في إطار ما يسمى مجلس التعاون الخليجي (وهم الكويت، السعودية، البحرين، قطر، الإمارات، عُمان). بل ربما الأفضل الإطلاق على هذه المجموعة اسم "مجلس التهاون الخليجي"، لتخليها عن تبني ومؤازرة قضايا العرب والمسلمين.
فقبل أن يُشن العدوان على إيران بنحو عشرة أيام فقط اجتمع المجلس الوزاري لمجلس التهاون الخليجي، واتخذ قرارات جاء في احداها مطالبته بالمشاركة "في جميع المفاوضات والمباحثات والاجتماعات الإقليمية والدولية ... وأن تشمل هذه المفاوضات- بالإضافة للبرنامج النووي الإيراني - كافة القضايا والشواغل الأمنية لدول المجلس، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والكروز والطائرات المسيرة، وسلامة الملاحة الدولية والمنشآت النفطية ...". وبلغة أُخرى يطالب أولئك الجهلة من عربان الخليج من "وجهاء" التخلف القبلي الخليجي بالمشاركة في الرقابة على إيران وتحجيمها وجعاها لقمة سائغة للمستعمرين.
وليست كل تمنيات أولئك المعتوهين، في أي حال، إلا أضغاث أحلام. لقد خرجت إيران من عنق الزجاجة منذ فترة غير قصيرة، ولم يعد بالإمكان إعادتها إلى هناك. فخلال الحرب الأخيرة اخترقت الصواريخ الإيرانية، مثلاً، ٥ طبقات مختلفة من أنظمة الاعتراض الجوية، ووصلت إلى أهدافها في إسرائيل. وهذا يدل بصورة واضحة على تقدم علمي كبير أحرزته الجمهورية الإسلامية. ولهذا لم يكن غريباً أن يعلن "وزير الدفاع الإيراني" انه في حال تعرض بلده لأي هجوم فإن جيشها سيستهدف كافة القواعد الاميركية في المنطقة، وخصوصاً تلك منها الموجودة في دول الخليج، كما فعل مع "قاعدة العُديد" في قطر، وقبل بضعة سنوات مع "قاعدة عين الأسد" في العراق. ثم قام المرشد خامينئي بتكرار ذلك شخصياً، بالصوت والصورة، في أحد خطاباته.
زمن أول تحوّل. نحن، كما يبدو، في بداية مرحلة جديدة لاحتواء الاستعمار وعملائه وتحجيمهم. وما لا يستطيع المتخاذلون العرب القيام به يتولاه غيرهم.
ولعل ذلك هو سر تلك الحملة المسعورة على إيران، إذ لم يبق في الميدان إلا حديدان. وان سقطت إيران ستتحكم الصهينة في المنطقة، التي قد تعود إلى ما كانت عليه أيام الصليبيين.
قديماً قيل: «لا فضل لإعرابي على عجمي إلا "بالتقوى»، ونحن نقترح استبدالها "بالنضال".
(السبت ٢٨ حزيران / يونيو ٢٠٢٥)
دكتور صبري جريس - فسوطة
من سيرته :
* رئيس "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" و مركز الأبحاث الفلسطيني لسنوات طويلة في لبنان حتى خروج الفلسطينيين منها.
* مستشار الرئيس الفلسطيني الوحيد حتى الآن (ياسر عرفات) للشؤون الإسرائيلية.
* من أبرز مؤسسي "حركة الأرض" في الجليل في الستينات، بل محاميها. سجن وحوكم بسببب تأسيسها والإنتساب إليها ثم أُبعد من البلاد منذ تأسيسها وحتى ١٩٩٤.