
















اهلا بقلم: رانية مرجية من رام الله إلى غزة، من جنين إلى رفح، ومن نابلس إلى دير البلح، المشهد واحد: جثث أطفال محروقة، بيوت منهارة، دماء تسيل على الأرصفة، وصمت رسمي عربي ودولي يكاد يكون متواطئًا. أما نحن الفلسطينيين، فلا نزال نختلف على لون العلم في المظاهرة، على توقيت الإضراب، على صيغة البيان، وحتى على عدد الشهداء الذين “يجوز” ذكرهم في خطبة الجمعة أو في مقابلة فضائية. فهل لدينا، حقًا، رؤية وطنية جامعة لوقف الإبادة؟ من المؤلم والمخجل أن يكون الجواب: لا. إن النكبة المستمرة منذ 1948، والتي تُترجم اليوم في غزة على شكل محرقة حية تُبثّ على الهواء، لم تخلق حتى اللحظة توافقًا فلسطينيًا حقيقيًا. فما زال خطاب الانقسام هو الأعلى صوتًا، وما زالت الفصائل تتناحر على وهم التمثيل، فيما يموت الواقع. لا وثيقة سياسية موحدة، لا قيادة حقيقية موحدة، لا استراتيجية مقاومة موحدة. فقط ارتجال، وردود أفعال، وكثير من الخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. بلادنا تُباد، ونحن نفاوض على الحصص. حين يُقتل شعبنا بهذه الوحشية، لا يكفي أن نغضب أو نكتب أو نبكي. يجب أن نتحرك ضمن مشروع وطني واضح، غير فصائلي، يتجاوز لغة الشعارات إلى لغة الميدان السياسي والمقاوم والحقوقي. فالرؤية الوطنية ليست “كلمة” تُدرج في البيان الختامي، بل هي عقد اجتماعي سياسي جامع، يعترف بالكل، ويضم الكل، ويقود الكل. نحن بحاجة إلى مؤتمر وطني فلسطيني حقيقي، جامع، لا تديره الأجهزة، ولا ترعاه مصالح الأنظمة. مؤتمر ينبثق من آلام الناس، من وجع الأمهات الثكالى، من صرخة طفل يبحث عن أمه تحت الركام، من أنين جريح لا يجد دواءً، من لاجئ لا يزال يحلم بمفتاح بيته منذ أكثر من سبعة عقود. إننا نواجه آلة إبادة صهيونية، لا ترى فينا إلا مشروعًا قابلاً للإزالة. فهل يمكن مواجهة هذا المشروع بمزيد من الانقسام؟ هل يمكن مواجهة منظومة استعمارية عنصرية عابرة للقارات، بخطابات حزبية محلية لا تتجاوز أحيانًا حدود المقاطعة أو غزة أو الشتات؟ إذا كانت المقاومة هي شرف هذا الشعب، فإن الوحدة هي شرط نجاته. وإذا كنا لا نملك حتى الآن رؤية وطنية جامعة، فعلينا أن نبدأ بطرح السؤال، ولو كان مؤلمًا: ما الذي يعوق هذه الرؤية؟ ومن المستفيد من غيابها؟ وهل كفّانا الموت لنفهم أن الاختلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى انتحار جماعي؟ غزة لا تنتظر بيانات الشجب، ولا تتغذى على بيانات الدعم الخشبية، ولا تحيا بالخطب النارية. غزة تحتاج قيادة وطنية موحدة، رؤية واضحة، إستراتيجية مقاومة، خطاب سياسي وأخلاقي جديد يليق بتضحيات شعب ينزف على مذبح الحرية. وإذا لم نتمكن اليوم من توحيد صفوفنا، فعلينا على الأقل أن نصمت خجلًا أمام دماء الشهداء. فهل نحن مستعدون للبدء من الصفر… ولو متأخرين