
















اهلا في مواجهة هذا الانهيار الكامل، والمتسارع نحو نكبة جديدة، تظهر السلطة الفلسطينية عاجزة، بل وغائبة، عن القيام بأي دور فعّال. يبدو أن السلطة قررت النأي بنفسها عن غزة، مكتفية بالتصريحات، تاركةً أهل القطاع للمعاناة والموت، متبنيةً في كثير من الأحيان المواقف التي تُحَمِّل المقاومة مسؤولية الكارثة الإنسانية، في وقت أن المؤسسات الدولية، بما فيها محكمتا العدل والجنائية الدوليتين، تحمل اسرائيل المسؤولية عما يجري في القطاع، وكذلك الأمين العام للأمم المتحدة .
يزداد غياب السلطة ونأيها بنفسها فداحة مع تنامي الحديث الدولي عن "اليوم التالي" في القطاع، حيث تسعى قوى كبرى لإعادة تشكيل الوضع فيه على حساب الوحدة الجغرافية والسياسية للكيانية الفلسطينية. غياب السلطة عن المشهد الميداني يمنح مبرراً لكل من يسعى لتهميشها، ولن تمنحها حكومة نتنياهو دوراً مهماً، بالرغم من كل ما تبذله من جهد في هندسة النظام السياسي، أو حتى إعادة تركيبه.
في ظل ما تتعرض له غزة من إبادة، وهندسة سياسة التجويع، سعياً من حكومة الاحتلال لكسر الإرادة الجمعية لأهل القطاع، ونشر الفوضى فيه، بينما مخططها الاستراتيجي التهام الضفة. فكسر غزة، التي كانت رافعة الوطنية الفلسطينية، يشكل عتلة المشروع الصهيوني لضم الضفة. هنا يبرز السؤال المحوري وهو: أين الضفة الغربية من ذلك؟ أين العونة التي طالما شكّلت ركيزة أساسية للهوية الوطنية الفلسطينية، ومؤشراً ثابتاً لوحدة النسيج الاجتماعي منذ النكبة وبعد احتلال باقي فلسطين عام 1967؟ وأين روح النجدة والتكافل التي تجلّت بأبهى صورها خلال الانتفاضة الشعبية الأولى عام 1987، حين شكّلت القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة نموذجاً فريداً في توجيه الحراك الشعبي، وتنظيم المبادرات الإغاثية والمقاومة المدنية رغم سطوة الاحتلال؟
اليوم، تغيب هذه الروح، أو تكاد، في مشهد تهيمن عليه القطيعة والانكفاء. الشعب لم يتغيّر في جوهره، لكن السياق تغيّر. الضفة تعيش تحت حصاراً مزدوجاً: قمع إسرائيلي ممنهج يخنق كل محاولة للتحرك، ويلاحق حتى المبادرات الإنسانية، يقابله تقييد من السلطة الفلسطينية التي تفتقر إلى أي رؤية تحشد الطاقات أو تعبّئ الجماهير. وعلى عكس القيادة الموحدة للانتفاضة التي استمدت شرعيتها من الشارع الفلسطيني، تبدو القيادة الراهنة للسلطة غارقة في الحسابات السياسية والعلاقات الإقليمية، بعيدة عن نبض الناس وهمومهم اليومية.