
















ahlan - جورج حايك-بيروت مع ترامب “كل شي بسعرو”!
قد يعتبر البعض أن وقف المساعدات الأميركية للبنان سببه تعثّر الدولة اللبنانية في نزع سلاح “حزب الله”، لكن المسألة في عمقها تتجاوز لبنان والشرق الأوسط، ويعود هذا القرار إلى سياسة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، ولو أن جانباً من قضية المساعدات التي تقدّمها واشنطن للبنان تعود إلى وضعيّة “الحزب” ومدى حزم العهد الجديد في التعامل معه.
عموماً، ما إن تسلّم ترامب مقاليد الرئاسة حتى أكّد أن الولايات المتحدة لن توزع الأموال بشكل أعمى من دون عائد للشعب الأميركي، مضيفاً: “إن مراجعة وإعادة تنظيم المساعدات الخارجية نيابة عن دافعي الضرائب المجتهدين ليس مجرد الشيء الصحيح الذي يجب القيام به، بل إنه ضرورة أخلاقية”.
هذا القرار أثار الصدمة في جميع أنحاء العالم، لكن ذريعة ترامب انطلقت من منطق قويّ يعتبر أن واشنطن أنفقت 72 مليار دولار من المساعدات الخارجية على ما يُقارب الـ 180 دولة.
لكن مصادر مطلعة في الولايات المتحدة تؤكّد أن قرار ترامب يصبح مفهوماً في ضوء استراتيجيته التي تنطلق من فكرة “أميركا أولاً”، إلا أنه لم يأخذ قراراً حاسماً بإنهاء المساعدات كلياً، إنما أوكل إلى وزير خارجيته ماركو روبيو مسألة درس كل ملف على حدة، ومنحه ثلاثة أشهر لينهي ذلك، وعندها “سيستمر أو يعدل أو ينهي البرامج”. وبالفعل، أرسل روبيو برقية إلى السفارات في جميع أنحاء العالم لوقف المشاريع الأميركية التي تدعم الصحة والتعليم والتنمية والمساعدة الأمنية وغيرها من الجهود. وقد تلقت الرسائل 20 دولة في مقدمها أوكرانيا، اسرائيل، اثيوبيا، الأردن، مصر، أفغانستان… وصولاً إلى لبنان في المرتبة 18.
تخوّف كثيرون في لبنان من أن يؤثّر قرار ترامب في تعليق المساعدات المقدمة للجيش اللبناني والمؤسسات الأخرى، وتلفت المصادر المطلعة من واشنطن الى أن فلسفة ترامب في ما يخص المساعدات تقضي بأنه لن يُخصص أموالاً من دون الحصول على شيء في المقابل.
وهنا يرتبط الأمر باستراتيجية ترامب السياسية في كل أنحاء العالم وخصوصاً الشرق الأوسط، وهو يستخدم هذه “المساعدات” كضغط لتطبيق سياسته في الدولة المأزومة، تماماً مثل لبنان، وفق المصادر المطلعة، والمعيار الذي تطلبه إدارة ترامب من العهد الجديد برئاسة جوزاف عون هو تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد سلاح “حزب الله” بدلاً من الوعود قبل استئناف الدعم.
إلا أن اللقاء الذي جمع أمس بين وزير الخارجية يوسف رجي والسفيرة الأميركية ليزا جونسون، أثمر عن تأكيد مصادر حكومية أن المساعدات الأميركية للجيش اللبناني مستمرة على عكس ما روّج له البعض، وسيصدر بيان مفصّل عن وزارة الخارجية لاحقاً في هذا الصدد. وكذلك، ستعفى “مؤسسة رينيه معوض” من قرار تعليق المساعدات إلى دول عدة.
وكشفت المصادر المطلعة من واشنطن أن اسرائيل تحاول أن تؤثّر على قرارات ترامب في هذا المجال، وقد سعت إلى الترويج بأن هناك تعاوناً وثيقاً بين الجيش اللبناني و”الحزب”، متّهمة الأول بأنه أعطى الثاني معلومات استخباراتية عن اسرائيل. والجدير بالذكر أن الاستثمارات الأميركية التي تجاوزت 3 مليارات دولار للقوات المسلحة اللبنانية منذ العام 2006 مكّنت الجيش اللبناني من أن يكون قوة استقرار ضد التهديدات الاقليمية، ولا سيما عندما خاض معركة ضد تنظيم “داعش”.
أما النقاش اليوم الدائر في أروقة البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية والكونغرس فهو حول تسليح الجيش اللبناني أم لا، إذ يريد بعض المشرّعين وقف الدعم للجيش، بينما يعتبر آخرون أن الحفاظ على هذا الدعم سيبعده عن “الحزب”. ويبدو أن القرار الأميركي قد يكون إعادة توجيه الأموال إلى وحدات جديدة في الجيش اللبناني مخصصة فقط لنزع سلاح “الحزب”. ويشترط أن تتبع هذه الوحدات قيادة الجيش ورئيس الجمهورية ويقتصر تمويلها على المشاريع فقط.
لا شك في أن لبنان، بعد حرب اسرائيل و”الحزب”، تعرّض لدمار هائل، وهو بحاجة إلى إعادة إعمار، وتشير المصادر الأميركية إلى أنه “لا يُمكن البدء بالإعمار إلا بمساعدات دولية وعربية، وهذه المساعدات لن تأتي إلا بموافقة أميركية، بل هي مشروطة بإنهاء الحالة العسكرية للحزب، وهذا ما لا يبدو واضحاً حتى اليوم، نتيجة تصلّب التنظيم التابع لإيران ورهانه على تغيّر الأوضاع محلياً واقليمياً، لكن ما قد يحصل هو ضرب المنشآت النووية الايرانية، ما سيزيد أوضاع الحزب سوءاً”.
يعتبر البعض أن ترامب خطير في قراراته ومواقفه ومخططاته، ولا شيء يوقفه إذا ما قرّر خوض الحرب في أي بقعة من العالم، إلا أنه في الحقيقة يمارس سياسة حازمة، لا حروباً، إنما عقوبات اقتصادية شديدة أو ديبلوماسية مشروطة وصفقات كبيرة، تغيّر وجه الدول، أما العنف فلا يستخدمه إلا إذا لم تنفع الوسائل الأخرى، ولا بد من الاعتراف بأن لبنان بات مدرجاً على أجندة ترامب وسياساته الشرق أوسطية التي لم تتوضّح على نحو نهائي حتى اليوم، وما علينا سوى الإنتظار!