
















اهلا “الوضع مفتوح على مصراعي الردود والهجمات المضادة، وفي مختلف الساحات”.. بهذه العبارة يمكن إختصار المشهد الاقليمي، بعدما شنت مسيرات إسرائيلية غارة على حارة حريك في الضاحية الجنوبية “عاصمة” حزب الله ومعقل مقراته القيادية (سياسياً وعسكرياً) وحاضنته الشعبية، مستهدفة أحد كبار قادته العسكريين وهو فؤاد شكر، المعروف بـ “الحاج محسن”، لتتبع بعد 12 ساعة باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في طهران. وتزامنت الضربتان “الموجعتان” لكل من إيران وحليفها الاستراتيجي “حزب الله”، مع عودة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من واشنطن بجرعة دعم أميركي، وضوء أخضر لتجاوز كل الخطوط الحمر، ما دفعه الى إتخاذ القرار “المقامر” بتنفيذ عملية اغتيال مزدوجة وعدوانين على كل من لبنان وإيران من شأنهما أن يغيّرا كل المعادلات التي تحكم حركة الميدان حتى الآن، وتذهب بالمنطقة نحو حرب شاملة.
بالنسبة الى اغتيال القيادي البارز فؤاد شكر الذي تم إنتشال جثته مساء أمس، لم يؤكد “حزب الله” حتى صباح الأربعاء حدوث عملية الاغتيال، لكنه أصدر بياناً أولياً أكد فيه وجود فؤاد شكر في المبنى المستهدف، مشيراً إلى أن فرق الدفاع المدني ما زالت تعمل منذ وقوع الحادثة على رفع الأنقاض بصورة حثيثة ولكن ببطء نظراً الى وضعية الطبقات المدمرة. من جهته زعم وزير الدفاع الاسرائيلي يوآف غالانت أن “الجيش الاسرائيلي قضى على رئيس الأركان في حزب الله فؤاد شكر بعملية قاتلة ودقيقة في ضاحية بيروت الجنوبية”، مضيفاً: “باغتيال شكر أكدنا اليوم أن بمقدرتنا الوصول إلى كل مكان لنجعل من يمسّ بإسرائيل يدفع الثمن”.
بعيداً عن المواقف، فإن وصول المسيرات إلى الضاحية واستهداف كبار قادة الحزب، كسرت بهما اسرائيل قواعد الاشتباك نوعياً وجغرافياً وعسكرياً. وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها إسرائيل الضاحية الجنوبية منذ “طوفان الأقصى”، اذ سبق أن إعتدت على عمق الضاحية عندما اغتالت القيادي في حركة “حماس” صالح العاروري ورفاقه، في الثاني من كانون الثاني، الا أن ضربة الثلاثاء، استهدفت للمرة الأولى “حزب الله” نفسه. يذكر أن اغتيال العاروري في الضاحية، أعقبه اغتيال أبرز قادة عمليات “حزب الله” العسكرية ومهندسيها، المسؤول في وحدة “الرضوان” وسام الطويل، في الثامن من كانون الثاني الماضي ببلدته خربة سلم جنوبي لبنان.
أما بالنسبة الى اغتيال هنية، فإنه يشكل منعطفاً تصعيدياً إسرائيلياً، إذ تعد العملية في طهران أخطر من ضربة دمشق، كونها إستهدفت ايران نفسها واغتالت أحد ضيوفها في ليلة تنصيب رئيس جديد لها، وهو رئيس حركة “حماس” ويعدّ أحد أركان محور المقاومة، إذ إن اغتياله في طهران يعد استمراراً للحرب على غزة، وعلى الأراضي الايرانية هذه المرة. وهذا ما دفع الرئيس الايراني مسعود بزشكيان الى التعليق على اغتيال هنية بالقول: “إن ايران ستدافع عن سلامة أراضيها وشرفها وستجعل الغزاة يندمون على أعمالهم الجبانة”. في حين قال المرشد الايراني علي خامنئي إن “الكيان الصهيوني المجرم باغتياله هنية مهّد الأرضية لمعاقبته بقسوة”. أما الحرس الثوري فأكد “أننا ندرس أبعاد حادثة استشهاد هنية في طهران، وسنعلن عن نتائج التحقيق لاحقاً”.
يذكر أن غارة جوية إسرائيلية استهدفت في الأول من نيسان، القنصلية الايرانية في دمشق، وأسفرت عن مقتل 16 شخصاً، من بينهم 7 من الحرس الثوري أبرزهم العميد محمد رضا زاهدي ونائبه محمد هادي رحيمي. وكان رد إيران هجوماً على إسرائيل بطائرات مسيرة وصواريخ يوم 13 نيسان، إثباتاً لقدرتها على الرد، ضمن قواعد اشتباك يمكن التخلي عنها وفقاً للمتغيرات.
باستهداف بيروت وطهران في حادثتي الاغتيال، جمعت إسرائيل كل أسباب اندلاع حرب واسعة في ليلة واحدة، بما يشكل تجاوزاً كبيراً وحاداً للقواعد التي تحكم سير الجبهات وتضبطها، بحيث أن الرد الايراني وإمكانه وحجمه في حكم الاحتمالات والتكهنات، وقد لا يكون مباشراً وسريعاً، ولكن المؤكد أن الجبهات ستزداد سخونة. في المقابل، من المتوقع أن يكون رد “حزب الله” مؤلماً وقاسياً، لكنه سيكون عقلانياً ومضبوطاً ضمن حدود معينة، ما لم تستمر إسرائيل في تصعيد الوضع إلى حرب أو أيام قتالية، وبالتالي كسر الخطوط الحمر وفتح مسار جديد من المواجهات على مستوى الجنوب اللبناني.
لبنان والمنطقة بأسرها يعيشان مرحلة دقيقة ومفصلية، على الرغم من التطمينات الأميركية، التي لم تثنِ إسرائيل عن إستهداف الضاحية، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك باغتيال هنية في إيران، بحيث أن كسر الخطوط الحمر قد يؤدي إلى مرحلة جديدة من المواجهات بين اسرائيل و”حزب الله”، الذي أعلن أنه في حال استهداف الضاحية أو بيروت، سيرد بقصف حيفا وتل أبيب.
كان من الممكن أن تندرج ضربة الضاحية ضمن قواعد الاشتباك المألوفة، على أساس ضربة مقابل ضربة، لكن نتنياهو ذهب بعيداً باستهدافه رئيس حركة “حماس” في طهران، خصوصاً وأن بعض المحللين يعتبر أن مغامرة التصعيد الشامل من نتنياهو قد استندت إلى دعم أميركي مباشر. ويتوقع المراقبون أن يكون نطاق الحرب تدريجياً، حتى لو اتسع، ولا يرجح ذهاب الطرفين الى “حرق المراحل” وتفجير كامل للجبهة، ولا سيما أنه يتوقع من جميع الأطراف العمل على ضبط الأمور قدر الإمكان لتجنب حرب شاملة. المرحلة الملبدة بغيوم الحرب السود مفتوحة على كل الاحتمالات، بحيث لكل طرف مؤثر مصالحه وحساباته، ففيما تحاول إسرائيل تعديل قواعد الاشتباك وتوسيع مداها، يحاول “حزب الله” أن يثبّت هذه القواعد أو يحسنها، بما يسمح له بالحفاظ على قدرة الردع، ولا يسمح لإسرائيل بفرض وقف إطلاق النار وفق شروطها، لكن دقة المرحلة وخطورتها، تجعلان أي خطأ في التقديرات غير المحسوبة، الخطر الأخير الكفيل بتفجير المنطقة بأسرها.