
















اهلا-ماهر عريف ومات هشام هنيدي. مات صاحب الصوت الرخيم بعدما اعتلّت رئته، وانتشر المرض في أنحاء جسده، وظل يهمس حتى الساعات الأخيرة بحبه للجميع، ويفتح قلبه للجميع، ويبتسم للجميع، ويلوّح للجميع.
مات هشام هنيدي بهدوء شديد، مات متحملا آلام المرض الذي نهش جسده دون أن يصرخ، مات بعدما فقدنا "الأمل الطبي" بعلاجه وكنا نتضرع ليل نهار بدعاء نجاته، مات لأن قدر الله الذي نؤمن به كان حاسما، مات مبتسما كأنه يستريح.
مات هشام هنيدي الذي عشق التمثيل منذ كان تلميذا في فريق الكشافة، مات هشام بعدما استذكر قبل أسابيع من رحيله كيف اعتمدوا على حضوره في الإذاعة المدرسية، وكيف انطلق من هناك لينضمّ لاحقا إلى فرقة مسرحية في بواكير تشكيلها، وكيف كان سيقرر الاخلاص للمسرح أولا لو كان ذلك متاحا، وكيف سمع ردود فعل الجمهور وخفق قلبه عندما أطل في أعمال عدة على الخشبة بينها "العنب الحامض" و"الزير سالم".
مات هشام هنيدي وهو الذي درس الحقوق في جامعة القاهرة، ونزع عباءة المحاماة متجها إلى موسكو ليحصل على درجة الماجستير في السينما، منتصرا لموهبته بالعلم والمعرفة.
مات المناضل "ابو أكرم" في "الدرب الطويل"، و"أبو عطية" الذي واجه متاعب ابنه في "التغريبة الفلسطينية"، والمحنّك "عماد الدين" في "الأخرس والقلادة الخشبية"، والكهل الناسك في "آخر أيام اليمامة"، و"المتلمس" في "طرفة بن العبد"، و"أبو الخطار" في "صقر قريش"، و"يحيى الغزال" في "زمان الوصل"، و"سعيد بن حبير" في "الحجاج"، "وجاج الزلو" في "المرابطون والأندلس".
مات من كان يرتدي عباءة "شيخ القبيلة" باتزان في الدراما البدوية، ومن أجاد تلوّن التباين في الدراما المعاصرة، ومن أتقن اللغة العربية وجرسها في الدراما التاريخية، ومن سأل عنه فنانون مصريون عندما أطل في عمل "نادية" للكاتب يوسف السباعي.
مات الذي كان يصلك احساس شخصيات يجسدها في الدراما الإذاعية، ويلامس سمعك عندما يعلق ضمن أفلام وثائقية وتسجيلية، وتلازمك نبرة صوته وطبقته بين "القرار" و"الجواب" مثل أنشودة عذبة حين يرافق "الدوبلاج".
مات "بسيط" في عمل "كرتوني" أيام البساطة وصدق المشاعر، مات رفيق درب روّاد الفن وزميل الكبار، مات من عاصر الأجيال وأعطاها بصدق، مات من أخذ بيد الشباب ولم يبخل بنصيحة، مات الفنان المنضبط والمخلص لمهنته، مات من كان يساعد كل من يطلبه فنيا، ويحاول دائما استخدام عبارات لطيفة في ردود فعله المتفاوته، ويلتزم بمواعيد عمله، ويتواصل مع زملاء الوسط.
مات من لديه رصيد كبير في الدراما، ولديه رصيد كبير عند أبناء المجال، ولديه رصيد كبير عند جمهوره، مات "بسيطا" كما كان في اتزانه ورقي تعامله.
مات هشام هنيدي.