
















اهلا- بقلم وديع عواودة رحل ويبقي الحلم بالعودة حيا
"إن لم يعد أبنائي فسيعود أحفادي أو أحفادهم...إلى صفورية"
رحل أبو عرب أمين محمد علي في منتصف رمضان الجاري وهو ذات اليوم الذي رحلت فيه والدته قبل أعوام وشقيقه فيصل قبل عام وكذلك هو الاخر رحل في منتصف الشهر الفضيل تماما وهو أيضا يوم ذكرى تهجير محبوبته الأولى بلدته صفورية... ويا لها من مفارقات ...يوم وفاته ورحيل الغوالي هو يوم اغتيال محبوبته الأولى صفورية.
بقي الراحل يتنفس صفورية،تسكن وجدانه ويسري الحنين لها في عروقه لا تبرح أذنه زقزقات عصافيرها وهدير مياه قسطلها الغزيرة وآذان مسجدها مثلما علقت في مخياله صور بساتينها التي تبدو واحدة من جنان الله على الأرض وكان يحاول إطفاء هذا الشوق لها في زيارات متتالية لها "لكنني كنت أعود منها أشد عطشا وعن ملامح صفورية المتميزة بثراء آثارها التاريخية من كافة الحقب وازدهارها دأب على القول"هذه ليست نظرة رومانسي بل حقائق. عدّت صفورية نحو سبعة آلاف نسمة وامتلك نحو 120 ألف دونم منها 50 ألف منها عبارة عن كروم زيتون وآلاف دونمات أخرى من البساتين خاصة الرمان ومزارع الخضراوات والمقاثي فكانت مكتفية بل تزود الناصرة وحيفا بالخضراوات وبعض الفواكه". ويدلل على ثرائها بالإشارة لوجود شركتي مواصلات كبيرتين في صفورية إحادهما شركة باصات العفيفي لـ مؤسسها الراحل صالح أحمد العفيفي الموجودة حتى اليوم ويتابع في هذا المضمار"في 1942 خرج من صفورية 95 شخصا لـ أداء فريضة الحج والعمرة ووقتها كانت تكلفة الرحلة الواحدة نحو 100 ليرة فلسطينية وهذا مبلغ كبير جدا مما يعكس حالة الرخاء في البلدة اقتصاديا واجتماعيا".
شيوخ الأزهر
في شهادته الشفوية على مسامعي طالما استذكر الراحل أبو عرب زيارة عدد كبير من مشايخ الأزهر من مصر لـ صفورية والإقامة فيها لفترات معينة خاصة في رمضان لتعليم الدين الإسلامي مستغلين وجود عدد كبير من المتعلمين فيها إذ بنيت في البلدة قبل نكبتها مدرسة للبنين ومدرسة للبنات".
مواعيد قاسية في رمضان
وفي شهادته" قال الراحل أبو عرب قبل عامين "في السادس عشر من يوليو/تموز 1948 وفي الخامس عشر من رمضان ومع ارتفاع صوت الآذان قصفت طائرة إسرائيلية البلدة فيما كان أهاليها الذين عدوا نحو سبعة آلاف نسمة متحلقين حول موائد الإفطار. وأفزع دوي الانفجارات المروعة الأهالي فنهضوا مذعورين دون تناول طعام الإفطار وشرد عدد هائل منهم للشوارع والكروم بحثا عن النجاة. وتابع أبو عرب وهو يستعيد طفولته المصعوقة عندما نزح ماشي على الأقدام وهو طفل بالثاثلة عشرة من عمره مع عائلته وسائر أهالي بلدته "بدأ القصف واشتد أكثر طيلة الليل وفي النهار التالي استكمل الجيش الإسرائيلي احتلال البلدة فنزح معظم سكانها وسحب الدخان وأصوات الانفجارات كانت خلف المهجرّين السائرين وهم يسيرون للشمال. وصلنا بلدة بنت جبيل في جنوب لبنان ومكثنا فيها 28 يوما ثم حملونا بالباصات لـ بيروت ومنها إلى منطقة البقاع اللبنانية.
مأساة شقيقتي غزالة
في قرعون التي دامت الإقامة فيها نحو ثلاثة شهور توفيت شقيقة الراحل غزالة وهي في ريعان شبابها بعدما مرضت بـ مرض السحايا وكانت أصغر منه. ويستذكر أن السلطات اللبنانية منعت دفن جثمان شقيقته غزالة ريثما يأتي طبيب من بيروت لكن والده أصر على دفنها من باب إكرام الميت دفنه ويضيف"كنا نفتقد والدتي وعندما نبحث عنها مجدها ممدة في جوار قبر غزالة في مقبرة قرعون. بعد ثلاثة شهور قال والدي: إن بقينا هنا سنصاب بالجنون فإما الذهاب لـ بيروت أو العودة لـ فلسطين فعدنا ليلا ومكثنا ستة شهور بدون بطاقات هوية وأقمنا في الناصرة. يشار أن شقيق الراحل الأديب طه محمد علي كان قد كتب عن مأساة غزالة وبادر الفنان عامر حليحل لترجمتها للغة المسرح في مسرحية "طه" وقدمها عشرات المرات في البلاد والعالم بالعربية وبالانجليزية. في الناصرة فتح الراحل أمين محمد علي طه دكان سوفنير ومكتبة في سوق الحدادين داخل سوق الناصرة وكانت منتدى للناشطين والكتاب والصحفيين والأصدقاء وكان أحيانا يترك الدكان مفتوحا ويرافق وفدا أو شخصا يبحث عن موقع أو عنوان ما فترك عمله ويرافقه وعندما يسأله أصدقاؤه كيف يترك الدكان مفتوحا كان يقول متوددا"ليتهم يسرقون الكتب،فمن جهتي أسامح كل من قسرق كتابا ليقرأ".وما لبث أن انضم الراحل في تأسيس الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة في مدينة الناصرة مندوبا عن لجنة الحرفيين والتجار وما لبث أن انتخب نائبا لريئس بلدية الناصرة الراحل توفيق زياد في ثمانينيات القرن الماضي.
لجنة الدفاع عن المهجرّين
وكان أبو عرب من مؤسسي لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين في إسرائيل(المهجرّون يشكلون نحو ثلث فلسطينيي الداخل) بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 وكان من أركانها ومن المشرفين على فعالياتها خاصة المركزية منها وهي مسيرة العودة السنوية بدء من 1994. وطيلة مسيرته كان أبو عرب يؤكد أن حق العودة هو مربط الفرس ولب القضية الفلسطينية ويضيف" أشعر أن وجودي في الناصرة مؤقت ريثما أعود لـ صفورية وإن لم يكن على زمني فعلى زمن أولادي أو أحفادي فالعودة حتمية وتكفلها الشرائع السماوية والقوانين الدولية ومنطق التاريخ". كما دأب على التأكيد أنه لا يوجد مستقبل للعقلية الصهيونية في هذه المنطقة ويتابع"نحن لا نناضل ضد اليهود بل من أجل العيش معهم ولكن بدون الصهيونية وقبلها كنا نعيش بشراكة ومحبة معهم. الصهيونية تحمل بذور الفناء وحتما سيتحقق سلام حقيقي وهو يبدأ بعودة اللاجئين والمهجرّين وكل إنسان يستعيد حقه".
جمعية تراث صفورية
وضمن مساهماته في إبقاء جذوة الحلم بالعودة لـ صفورية مهما طال الزمان أقام أبو عرب قبل سنوات جمعية تراث صفورية وحول بعض أقسام منزله في الناصرة المجاورة لـ مسقط رأسه متحفا تراثيا تثقيفيا شاملًا يوثِّق صفورية العامرة قبل النكبة.