
















اهلا من الصعب العثور على دولة في العالم ترسل جرّافات بمرافقة بوليسية وإدارية رسمية، لكي تجرّف وتخرّب وتبيد مزروعات لمواطنين على أرضهم. لكن دولة إسرائيل تقوم بهذا بشكل منهجي في النقب. وهي تسوّغ هذا الفعل الهمجي بمسوّغات قانونية شكليا وعديمة المضمون أخلاقيًا وكاذبة بكل المقاييس. هذا هو حال كل القوانين غير المحتكمة للعدالة بل لإيديولوجية توسعية تطهيرية فوقية وعنيفة.
أمس الأول اقتحمت الجرافات تحت حماية قوات الشرطة ووحدات خاصة الأراضي الزراعية ما بين قرى تل السبع وأم بطين وخربة الوطن في النقب، وراحت تعيث فسادًا ودمارًا: جرفت الأراضي وأبادت مزروعات لأهالي المنطقة. هذا الفعل الوحشي الذي تمت فيه إبادة محاصيل القمح والشعير يمر بكل هدوء في الجدل الإسرائيلي العام، حيث يتم إسكاته وشلّ العقول والضمائر بذرائع تلعب على الغرائز، مثل القول إن ذلك القمح والشعير "تمت زراعته في أراضي دولة". وهكذا يتم تصوير الأمر على أنه جزء من "حرب وجودية" تمتد من إيران وسوريا حتى النقب وغزة، وتُشوّه الصورة الحقيقية الواضحة الوحيدة: آلة بطش همجية سلطوية تخرّب حقول مواطنين فقراء مستضعفين.
لقد برعت ماكينة الدعاية الرسمية الإسرائيلية دومًا في احتلال ذرى جديدة من التشويه والتزييف. فعندما راكمت الشرطة وسائر أجهزة إنفاذ القانون الفشل تلو الفشل أمام صد الجرائم الجنائية، ومنها اعتداءات على ممتلكات وسرقتها، ابتكرت مصطلح "الإرهاب الزراعي" لتصوير عمليات سرقة لمعدات زراعية من كيبوتسات وموشافات يهودية. الغاية واضحة، وهي دمغ الفعل بألوان سياسية-قومجية وإبعاد التفكير من فشل الشرطة إلى الانشغال القلق المذعور من هذا "الإرهاب العربي" المزعوم، الذي ليس سوى جزء من تفشي الجريمة وخروجها الضروري من الحيّز العربي إلى مجاوره اليهودي.
لكن الحقيقة هي أن الإرهاب الزراعي الفعلي والوحيد، وبدون مزدوجين ولا أي نوع من الأقواس، هو ما تفعله إسرائيل الرسمية في النقب من عمليات إبادة مزروعات وحقول بطرق متوحشة ومتخلّفة ولئيمة وفوقية وأبرتهايدية معًا.