
















اهلا- د. جمال شريف تحل اليوم الذكرى التاسعة لرحيل الرفيق
الشيوعي والقائد الانسان العصي على
النسيان - الرفيق نمر مرقس
29/1/2013
ألا ان في ظُفر المنية مهجةً
تظل لها عين العلا وهي تدمعُ
هي النفسُ إن تبكي المكارم فقدها
فمن بين أحشاء المكارم تُنزعُ
نمر مرقس
"وبدأت أتلمس طريقي نحو الشيوعية"
يزداد بالآونة الأخيرة التحريض على الشيوعيين وعلى قيادة الحزب الشيوعي الأسرائيلي التاريخية وخاصة بسنة النكبة والسنوات التي تلتها، لهذا اخترنا بالذكرى التاسعة لوفاة الرفيق والوالد نمر مرقس ان ننشر هذا المقطع من كتاب "أقوى من النسيان"
يتحدث به عن دور الشيوعيين بقريته كفرياسيف وكيف تعرف عليهم حينذاك
"في صباح الأول من تشرين الأول من تلك السنة 1948 أفاق أهل البلد ليجدوا على أبواب بيوتهم ومداخل دورهم أوراقاً مطبوعة تحكي عن مؤامرة يتواصل تنفيذها ضد شعبنا العربي الفلسطيني، وتهاجم الإستعمار البريطاني والأمريكي والصهيونية وحكام الدول العربية كمنظمين ومنفذين لهذه المؤامرة، وأن هدفهم هو تشريد هذا الشعب وحرمانه من ممارسة حقه بإقامة دولته المستقلة في القسم المخصص لها حسب قرار التقسيم، وتمزيق هذا القسم من فلسطين، وتوزيعه ما بين حلفاء بريطانيا وأمريكا، كما تطالب بوقف الأعمال الحربية في فلسطين وبإعادة اللاجئين إلى ديارهم، وبسحب القوات الصهيونية وجيوش الملك عبد الله وكل القوات العسكرية من الأراضي العربية في فلسطين، وتدعو الشعوب العربية إلى التضامن ضد الإستعمار وعملائه وفي سبيل الإستقلال والديمقراطية.
وكانت هذه الأوراق موقعة من الحزب الشيوعي العراقي، والحزب الشيوعي السوري، والحزب الشيوعي اللبناني، وعصبة التحرر الوطني في فلسطين.
وجدت أمي هذه الأوراق على مدخل دارنا مبكراً فقد كانت تبدأ يومها بكناسة الدار ومدخلها، وتكوم الكناسة عند مدخل الدار ليأخذها عامل النظافة أبو حسن. عندما يمر بدرب حارتنا بحماره الحامل لسريدة النفايات، متجولاً بهما من حارة إلى حارة صباح كل يوم.
شالت الوالدة الأوراق على البوريه إلى أن أستيقظ، عندما قرأتها أحسست وكأنني أتلقى هدية ثمينة، بل لا تثمّن. لقد فسرت لي سر الشقاء الذي انا فيه مع كل شعبي، أزاحت عن بصيرتي بقية غشاء كانت الأحداث قد خزقته، شعرت بأن من كتبها يخاطبني، تماثلت معها وشعرت براحة كبيرة. هذه الأوراق التي جرى توزيعها في عتمة الليل، ورغم منع التجول المفروض على البلد والأخطار التي قد يتعرض لها موزعوها ومضمونها أدهشت الناس وكانت مدار حديث بينهم.
عندما ذهبت في ذلك اليوم إلى مقهى بولس الشحادة ملتقاي اليومي مع أترابي، توشوشنا حولها، ووجدت بينهم من هو فرح بها ويشاركني نفس مشاعرين، وبشكل خاص صديقي جميل، وتساءلت وتساءلوا من يا ترى وزعها؟ لا جواب لدى أحد، إستنتجنا أن في بلدنا شيوعيين ولكن لا أحد يعرفهم بشكل مؤكد بعد.
في قادم السنين. وبعد سنين عديدة من إنتسابي للحزب سارَرني رفيقي خليل عيسى خوري أبو سخي، الذي لجأ إلى أبوسنان بعد سقوط بلده البروة، أنه ونقولا داود وأحمد شحادة قاموا بتوزيع بيان الأحزاب الشيوعية الأربعة هذا في بلدنا. وأنه بعد أن وزعه هو في أبوسنان حيث كان لاجئاً، أكمل مع شاب صغير من بلده إلى قرية جولس المجاورة، وقاما بتوزيعه عند مداخل بيوتها، هو يضع البيان عند الباب والشاب المرافق يضع عليه حجراً حتى لا تطيره الريح.
عندما قمت وصديقي جميل بجولتنا اليومية في العصر الماسي من ذلك اليوم، عاد إلى سيرة البيان الموزع سراً في الليل على أهالي البلد، وأسرّ لي أن في البلد خلية من الشيوعيين، وأن أخاه أحمد واحد منها، وأنه وأخاه الأكبر خليل كانا شيوعيين، أعضاء في عصبة التحرر، وهم في عكا، قبل أن تعود عائلتهم إلى البلد في نيسان الماضي وأن أخاه الأكبر لم يعد معهم بل هاجر إلى العراق بسبب ترتيبات العمل التي فرضته شركة بترول العراق-الآي بي سي- إذ كان موظفاً فيها.
في ذلك اليوم، وفي الأيام التي تلته سمعت من صديقي هذا المزيد عن الشيوعيين وأفكارهم، وتكونت لدي فكرة عن الشيوعية والشيوعيين. إن الناس في المجتمع البشري المعاصر ينقسمون ليس حسب لغتهم و قوميتهم ودينهم وإنما حسب ترتيب مواقعهم في هذا المجتمع. هنالك كادحون وشغيلة ينتجون بكدحهم إحتياجات معيشة الإنسان ويظلون هم الفقراء والأكثرية في المجتمع، ومقابلهم أقلية تستبد بثمار كدحهم وتعيش وتغتني على حساب جهد تلك الأكثرية. مظلومون وبالمقابل ظالمون، مُستبدّ بهم وبالمقابل مستبدون مضطهدون وبمقابلهم مضطهِدون. هذا هو الإنقسام الحقيقي بين الناس، والعدل في المجتمع لن يقوم إذا إستمر هذا الحال. ولا خلاص للمظلومين والمضطهدين إلا بأن يتوحدوا ويكافحوا لتغيير هذا الحال. ولا كفاح ولا ثمار للكفاح، بدون تنظيم وتضحية. وعلى الظلومين والمضطهَدين أنفسهم أن يفعلوا ذلك، وألا ينتظروا الفرج من الخارج.
الجرأة والإستعداد للتضحية هما رأسمال الذين يريدون تغيير الحال. هذا ما جسده فعل اللذين وزعوا ذاك البيان في عتمة ليل الثلاثين من أيلول 1948، وليل الحكم العسكري ومنع التجول، إذن فالجرأة والإستعداد للتضحية هما من شيم أولئك الشيوعيين وهذا ما أكبرهم عندي.
وروى لي صديقي جميل عن شاعر شيوعي غزّي أسمه معين بسيسو وبعض أبيات من قصيدة له، حفظت منها:
"من لم تودّع بنيها بإبتسامتها إلى الزنازين لن تحبَل ولم تلد"
وليس مجرد كلام قاله معين ليعظ به الآخرين، بل مثّل به نفسه ورفاقه الذين ودعتهم أمهاتهم إلى المعتقلات والزنازين مرات ومرات.
وبدأت أتلمس طريقي نحو الشيوعية